أخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن يزيد أن مشركي مكة لما صدوا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية أنزل الله تعالى وَمَنْ أَظْلَمُ من مبتدأ استفهام وأظلم خبره والمعنى لا أحد أظلم مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ إنما أورد لفظ الجمع وإن كان المنع واقعا على مسجد واحد لأن الحكم عام وإن كان المورد خاصا أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ثاني مفعولي منع كما في قوله تعالى : وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ * أو لخافض محذوف أي من أن يذكر أو منصوب على العلية أي كراهة أن يذكر وَسَعَى فِي خَرَابِهَا بالتعطيل عن ذكر الله فإنهم لما منعوا من يُعمره بالذكر فقد سعوا في خرابه وكذا ذكره البغوي عنه وعن عطاء، وذكر عن قتادة والسدي أن المراد بمن منع مساجد الله وسعى في خرابها طيطوس بن اسبسيانوس الرومي وأصحابه حملهم بغض اليهود على معاونة بخت نصر البابلي المجوسي فغزوا اليهود قتلوا مقاتليهم وسبوا دراريهم وحرقوا التوراة وخربوا بيت المقدس وذبحوا فيه الخنازير وألقوا فيه الجيف وكان بيت المقدس موضع حج النصارى ومحل زيارتهم. قلت : ولعل الغرض من ذلك تعيير النصارى بما فعل آباؤهم وهم به راضون كما أن الغرض من ذكر ما صدر من أسلاف اليهود من عبادة العجل وغير ذلك تعييرهم.
أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ في علم الله وقضائه أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ فيه وعد للمؤمنين بالنصر واستخلاص المساجد منهم، وقد أنجز الله وعده حين فتح مكة على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي ألا لا يحجن بعد العام مشرك، وفتح الروم على عمر بن الخطاب وكان بيت المقدس خرابا فبناه المسلمون، وقيل هذا خبر بمعنى الأمر أو النهي أي قاتلوهم حتى لا يدخلها أحد منهم إلا خائفا من القتل والسبي أو لا تمكنوهم من الدخول في المساجد، وقيل المعنى ما كان ينبغي لهم أن يدخلوها إلا بخشية وخضوع فضلا عن تخريبها وحينئذ الجملة في محل النصب على الحال من فاعل منع وسعى، لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ قتل وسبي وذلة بضرب الجزية وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ النار المؤبدة بكفرهم وظلمهم.
التفسير المظهري
المظهري