قال ابن زيد: " تعود على محمد ﷺ ". وقيل تعود على الكتاب.
قوله: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين. أي: على عالم زمانكم، وقد تقدم / ذكر النعم وما فضلوا به، ومن أجَلّ نعمة أنعم بها عليهم أن موسى [عليه السلام] أخبرهم بعيسى وبمحمد ﷺ وأمرهم باتباعهما، فلم يحتاجوا إلى آية لو كانوا موفقين لأنهم قد سبق عندهم خبر / الصادق بذلك، ففضلوا على سائر الخلق بما عندهم من العلم في أمر عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ولم يتبعوهما، واتبعهما من لم يكن عنده مقدمة ولا خبر عنهما. كل ذلك بخذلان الله تعالى لهم وتوفيقه لغيرهم.
قوله: وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ.
قيل: فاعل " أتمهن ": الله تعالى، أي أكملهن الله له.
وقيل: الفاعل إبراهيم ﷺ أخبره الله تعالى بما سبق في علمه فيه ليكون الامتحان موجوداً معقولاً فتقع عليه المجازاة والثواب، إذ لا يقع جزاء على ما في علم الله تعالى
دون ظهوره من العبد. أخبر الله تعالى أنه أتمهن هنا، وقال في غير هذا الموضع: وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى [النجم: ٣٧].
واختلف في الكلمات؛ فقال ابن عباس: " هي ثلاثون سهماً، عشر منها في براءة التائبون العابدون [التوبة: ١١٢]. وعشر في الأحزاب. إِنَّ المسلمين والمسلمات [الأحزاب: ٣٥]. في (المؤمنين) إلى قوله: يُحَافِظُونَ [المؤمنون: ٩] وعشر في سَأَلَ سَآئِلٌ [المعارج: ١] إلى حَافِظُونَ [المعارج: ٢٩]. أيضاً. وقيل: هي عشر خمس في الرأس، وخمس في البدن، فالتي في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الشعر.
وروي في موضع الفرق: إعفاء اللحية.
وفي الجسد تقليم الأظافر، وحلق العانة، ونتف الإبط، وغسل المخرجين بالماء، والختان.
وعن ابن عباس أيضاً قال: " هي عشرة: ستة في الإنسان وهي: حلق العانة،
والختان، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر وقص الشارب، والغسل يوم الجمعة. وأربع في المشاعر وهي: الطواف بالبيت، والسعي، ورمي الجمار، والإفاضة ".
وعن مجاهد قال: " هي أن الله تعالى قال لإبراهيم ﷺ. إني مبتليك بأمر، فما هو؟ قال: / تجعلني للناس إماماً؟، قال الله: نعم. قال إبراهيم: ومن ذريتي؟ قال الله [ تعالى] /: لا ينال عهدي الظالمين. قال إبراهيم: تجعل البيت مثابة للناس؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وأمنا؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: [تجعلنا مسلمين لك] ومن ذريتنا أمة مسلمة لك؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وترينا مناسكنا وتتوب علينا؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وتجعل هذا البلد آمناً؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وترزق أهله من الثمرات من آمن؟ قال الله: نعم ".
وقال جماعة: " تلك الكلمات مناسك الحج خاصة ".
وقال الحسن: " الكلمات هي الخلال الست التي ابتلي بها، وهي: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، ابتلي بهن فصبر عليهن ولم يزغ ".
وقيل: من ذلك الذبح.
وقال السدي: " الكلمات: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ، رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً.
وروي عن النبي [ ﷺ] أنه قال: وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى [النجم: ٣٧] " عَمَلُ يَوْمِهِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فِي النَّهَارِ ".
ورُوي عنه ﷺ أنه قال: " أَلاَ أُخْبِرُكُم لِمَ سَمَّى اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ الذي وفى الآية. قال: كَانَ يَقُولُ كُلَّمَا أَصْبَحَ، وَكُلَّمَا أَمْسَى:
فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ".
وروي أن الله جلَّ ذكره أوحى إليه أن تطهر فتمضمض، ثم أوحى الله / إليه أن تطهر فاستنشق. ثم أوحى الله إليه أن تطهر فاستاك. ثم أوحى الله إليه أن تطهر فأخذ شاربه. ثم أوحى الله إليه أن تطهر ففرق شعره، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فاستنجى. ثم أوحى الله إليه أن تطهر فحلق عانته، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فنتف إبطه، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فقلم أظفاره، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فأقبل بوجهه على جسده ينظر ما يصنع، فردد البصر، فاختتن بعد عشرين ومائة سنة، فأوحى الله إليه: إني جاعلك للناس إماماً؛ أي: يقتدي بك
الصالحون من بعدك. فأعجب ذلك إبراهيم صلى الله عليه سلم فقال: ومن ذريتي، أي: اجعل يا رب منهم أئمة، فقال له الله: لا ينال عهدي الظالمين، أي: من كان من ولدك ظالماً فلا يكون إماماً.
قوله: لِلنَّاسِ إِمَاماً.
أي يقتدي بك من في عصرك ومن يأتي بعدك.
قوله: لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين.
قال ابن عباس: " عهدي. نبوتي ".
وقال مجاهد: " العهد هنا: الإمامة، / لا يستحق الظالم الإمامة ".
وقيل: " معناه. لا عهد لظالم عليك أن تطيعه في ظلم، وإن عاهدته فانقضه ".
وقيل: " العهد الأمان. أي: لا أُؤَمِّنُ الظالم من الانتقام منه "، قاله قتادة.
قال: " ذلك يوم القيامة، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم ".
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي