٥٠- فيه من الأسئلة : ما معنى هذا الاستفهام ؟ فإن الاستفهام على الله تعالى محال، وما معنى الملة ؟ وما معنى قوله تعالى : سفه نفسه ؟ وهل سفه يتعدى بنفسه فينصب المفعول به أم لا ؟.
والجواب : أما الاستفهام فهو على الله محال، فحيث ورد عن الله تعالى فهو إما ثبوت صرف أو نفي صرف، فإن أصله في اللغة السؤال المتردد بين النفي والثبوت لجهل السائل بأيهما الواقع، فإذا قال القائل : " هل زيد في الدار أم لا ؟ " فهو يسأل عن وجود زيد هل هو في الدار أم عدمه، والله تعالى بكل شيء عليم، فيستحيل عليه طلب فهم ذلك.
والاستفهام استفعال لطلب ذلك الفعل، نحو : استسقى، لطلب السقي، واستخرج الكتاب، أي : طلب خروج المعنى منه. وقد يرد للفعل نفسه لا لطلبه، نحو : عجب واستعجب، وهو قليل والأكثر إنما هو لطلب الفعل، فالذي ورد في حقه تعالى إنما يحمل على النفي عينا، أو الثبوت عينا، ويكون إخبارا صرفا لا طلب فيه، كقوله تعالى : فهل ترى لهم من باقية ١، أي : لا ترى لهم من باقية. وقوله تعالى : هل أتى على الإنسان حين من الدهر ٢، أي : " قد أتى على الإنسان حين من الدهر ". قوله تعالى : ألم نشرح لك صدرك ٣، أي : قد شرحنا لك صدرك. وإن كان قد يصحبه الامتنان تارة، والتهديد أخرى، وغير ذلك من المعاني، إلا أنه لا يكون فيه طلب فهم، بل الإخبار الصرف.
وهذه الآية معناها النفي الصرف، أي : " لا أحد يرغب عن ملة إبراهيم إلا هذا الفريق " '.
وأما " الملة " فهي في اللغة هي الطريقة، والشرائع طرائق إلى الله تعالى.
و " السفه " في اللغة : الرقة والخفة، ويسمى مضيع ماله سفيها لرقة عقله وقلته، وسفهاء الناس الذين ضعفت عقولهم والأخلاق الحميدة فيهم ورقت، فهذا في اللغة.
وأما أي شيء أوجب النص في " نفسه " ؟ فهذا هو المهم في الآية.
فقال الزجاج٤ : معناه : " جهل نفسه ". أي : جهل ما يجب لنفسه وما يجب عليها من مراعاة حقوق الله تعالى، وما يتعين لها من الصون والحفظ من عذاب الله تعالى، فيكون تلخيص ذلك : " جهل شأن نفسه "، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه، فنصبه كما كان المحذوف منصوبا، لأنه قاعدة حذف المضاف أن يعرب المضاف إليه كإعرابه، ويكون المجاز قد وقع في الفعل من جهة أن " سفه " قاصر في نفسه ليس له مفعول. ولما كان من لوازم رقة العقل حصول الجهل عبر عن اللازم الذي هو الجهل، بلفظ الملزوم الذي هو السفه، فهو من مجاز الملازمة.
وقال غيره : سفه بمعنى أهلك، فيكون من مجاز التعبير بلفظ السبب عن المسبب، لأن رقة العقل سبب الهلاك.
وحكى ثعلب٥ والمبرد٦ أن سفه بكسر الفاء يتعدى كسفه بفتح الفاء، وتشديدها. قال الفراء :٧ " نفسه " منصوب على التمييز. لأن السفه يكون في الرأي، والنفس والخلق، فميزها من بين هذه الأمور. ورأى أن هذا التعريف ليس بمحض حتى يمنع التنكير الذي هو شرط في التمييز، والتمييز فيه إبهام ؛ لأجل الإبهام الذي في " من ". وأصل الكلام : إلا من سفه نفسه ، أي : " رق في نفسه ".
وقال البصريون : لا يجوز التمييز مع هذا التعريف بل هذا على تقدير حذف الجر، كما حكاه سيبويه٨ رحمه الله تعالى من قولهم : " ضرب زيد عمرا الظهر والبطن ". أي : في الظهر والبطن. وأصل الكلام : " إلا من سفه نفسه ". أي : " رق في نفسه ".
فعلى هذا القول يكون الفعل حقيقة في الإفراد ومجازا في إسناده إلى المنصوب، والمجاز يتنوع إلى ما يقع في الإفراد أو التركيب أو هما معا على ما تقرر في علم البيان.
وهذا القول هو الذي يختاره الشيخ عز الدين بن عبد السلام٩ رحمه الله تعالى وقال مكي١٠ : أصل الكلام : إلا من سفه قوله نفسه، على أن " نفسه " تأكيدا، حذف المؤكد وأقيم التوكيد مقامه قياسا على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، نحو : " قام عالم "، أي : " رجل عالم ".
وهو بعيد، فإن إقامة التأكيد مقام المؤكد قليل في كلامهم أو معدوم بخلاف الصفة، والفرق أن التأكيد مقصود التقوية وإبعاد المجاز وذلك يناسبه كثرة التعبير، وإعادة الألفاظ حتى تتظافر الدلالة، فيبعد المجاز، فإذا جاء الحذف والاختصار اختل هذا المعنى، بخلاف حذف الموصوف، فإن مقصود الصفة، وهو التخصيص بذكرها وحدها. ( الاستغناء في الاستثناء : ٢٩٩ على ٣٠٢ ).
٢ سورة الإنسان آية : ١..
٣ سورة الشرح آية : ١..
٤ - قال الزجاج :"فالمعنى – والله أعلم- :"إلا من جهل نفسه"، أي لم يذكر في نفسه". ن : معاني القرآن : ١/٢١١.
والزجاج هو إسحاق بن إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج (ت : ٣١١ هج)، عالم بالنحو واللغة والقراءات والتفسير، أخذ عن المبرد والثعلب. وعنه أخذ علي بن عبد الله الجوهري. ن : طبقات الداودي : ١/٤٩..
٥ - هو أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني بالولاء، أبو العباس، المعروف بثعلب، إمام الكوفيين في النحو واللغة (ت : ٢٩١ هج). من مصنفاته :"الفصيح" و"معاني القرآن" و"قواعد الشعر" وغيرها. ن : تذكرة الحفاظ : ٢/٢١٤. الأعلام : ١/٢٦٧. تاريخ بغداد : ٥/٢٠٤..
٦ - هو أبو العباس محمد بن يزيد عبد الأكبر بن عمر الأزدي البصري. (ت : ٢٨٦ هج). إمام الأدب واللغة والقراءات في عصره أخذ عنه المازني وأبي حاتم السجستاني. من مؤلفاته المطبوعة :"المقتضب" و"الكامل في الأدب". ن : أعلام النبلاء : ١٣/٥٧٦..
٧ - هو أبو زكرياء يحيى بن زياد بن عبد الله الفراء. (ت : ٢٠٦ هج) عالم باللغة والنحو وفنون الأدب والتفسير. ففيه متكلم. أخذ عن النسائي وأبي بكر بن عياش. وعنه أخذ سلمة بن عاصم ومحمد بن الجهم. ن :"طبقات الزبيدي" : ١٣١."أعلام النبلاء" : ١٠/١١٨. "تهذيب التهذيب": ١١/ ١٨٦..
٨ - هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر المعروف بسيبويه، (ت : ١٨٠ هج) إمام أهل اللغة والنحو، وأول من بسط الكلام فيه، أخذ عن الخليل وأبي عمرو بن العلاء. كما أخذ عنه الكسائي والفراء والأخفش. أشهر مؤلفاته "الكتاب". ن : طبقات الزبيدي : ٦٦. وأنباء الرواة : ٢/٣٤٦..
٩ هو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن بن محمد بن المهذب، أبو محمد السلمي، المغربي الأصل، الدمشقي مولدا المصري دارا ووفاة. لقب بسلطان العلماء. درس على يد ابن عساكر والآمدي وغيرها. كما أخذ عنه القرافي وابن دقيق العيد والباجي وغيرهم. (ت : ٦٦٠ هج). ن : البداية والنهاية : ١٣/٢٣٥. طبقات الشافعية الكبرى : ٨/٢٠٩. حسن المحاضرة : ١/٣١٤. فوات الوفيات : ١/٥٤٩..
١٠ هو مكي بن أبي طالب، الأندلسي القيسي. عالم بالتفسير والعربية. (ت : ٤٣٧ هج). من مصفناته :"مشكل إعراب القرآن" و"الكشف عن وجوه القراءات" و"الهداية إلى بلوغ النهاية" ن : ترجمته في : وفيات الأعيان : ٢/١٢٠ إنباء الرواة : ٣/٣١٣. الأعلام : ٧/٢٨٦..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي