ولما قرر شرف إبراهيم عليه السلام وجعله إماما يقتدى به، حذر من ترك دينه والرغبة عن ملته، فقال : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ
قلت : من : استفهامية إنكارية، فيها معنى النفي، مبتدأ، و يرغب وما بعده خبر، و إلا إبطال لنفيها الذي تضمنته، و مَن سَفِه بدل من ضمير يرغب على المختار، و نفسه مفعول سَفِه ؛ لتضمنه معنى جهل أو أهلك، قاله الزجاج، أو على التمييز ؛ قاله الفراء ؛ لأن الضمير فيه معنى الشيوع الذي في مَن فلم يكسب التعريف، أو على إسقاط الجارّ وإيصال الفعل إليه، كقولهم : ضرب فلان الظهر والبطن.
يقول الحقّ جلّ جلاله : ومَن هذا الذي يرغب عن ملة إبراهيم الواضحة إلا من جهل قدر نفسه وبخسها حقها ؟ أو إلا من خف رأيه وسفهت نفسه ؟ وكيف يرغب عاقل عنها وقد اخترناه أماماً في الدنيا يقتدي به أهل الظاهر والباطن ؟ وإنه في الآخرة لمن الصالحين لحضرتنا، والساكنين في جوارنا.
الإشارة : ملة أبينا إبراهيم عليه السلام هي رفع الهمة عن الخلق، وإفراد الوجهة للملك الحق، ورفض الوسائط والأسباب، والتعلق بربّ الأرباب، وفي ذلك يقول الشاعر، وهو الششتري :
| فَرَفْضُ السّويَ فَرْضٌ علينا لأنَّنا | بملةِ محْوِ الشّركِ والشَّكِّ قدْ دِنَّا |
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي