تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون أقول : الأمة هنا الجماعة من الناس والمشار إليه يعقوب وآباؤه وأبناؤه. وإذا بدأت بالأفضل قلت إبراهيم وأولاده وأحفاده المذكورون في الآية السابقة. قد خلت مضت وذهبت من هذا العالم لها ما كسبت من عمل تجزى به، ولكم ما كسبتم من عمل تجزون به، ولا يجزى أحد بعمل غيره ولا تسألون يوم الحساب والجزاء عما كانوا يعملون سؤال حساب وجزاء، ولا يسألون عما تعملون كذلك، بل كل يسأل عن عمله ويجازي به دون عمل غيره، فلا ينتفع أحد بعمل غيره ولا يتضرر به من حيث هو عمله، إلا أنه قد ينتفع أو يتضرر بعمل غيره إذا كان هو سببا له لأنه رشده إليه وكان قدوة له فيه.
( الأستاذ الإمام ) جاءت هذه الآية الكريمة بعد الكلام عن وصية إبراهيم لبنيه وإسماعيل وإسحاق ويعقوب لبنيهم استدراكا على ما عساه يقع في أذهان ذراري هؤلاء الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام من أن هذا السلف الذي له عند الله هذه المكانة يشفع لهم فينجون ويسعدون يوم القيامة بمجرد الانتساب إليهم. فبين الله في هذه الآية أن سنته في عباده أن لا يجزى أحد إلا بكسبه وعمله ولا يسأل إلا عن كسبه وعمله. وقد بين في سورة النجم أن هذه القضية من أصول الدين العامة التي جاء بها الأنبياء من قبل أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى * أن لا تزر وازرة وزر أخرى * وأن ليس للإنسان إلا ما سعى الخ. وبين في آيات متعددة في سور متفرقة، أن المرسلين لم يرسلوا إلا مبشرين ومنذرين، فمن آمن بهم وعمل بما يرشدون إليه كان ناجيا، وإن بعد عنهم في النسب، ومن أعرض عن هديهم كان هالكا وإن أدلى إليهم بأقرب سبب قال ١١ : ٤٥ يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح وإذا لم تنتفع بهم ذرياتهم الذين لم يقتدوا بهم فكيف ينتفع بهم أولئك البعداء الذين ليس بينهم وبينهم صلة إلا الأقوال الكاذبة التي يعبر عنها أهل هذا العصر ( بالمحسوبية ) ويقولون في مخاطبة أصحاب القبور عند الاستغاثة بهم " المحسوب كالمنسوب " وما أحسن قول الإمام الغزالي : إذا كان الجائع يشبع إذا أكل والده دونه، والظمآن يروى بشرب والده وإن لم يشرب فالعاصي ينجو بصلاح والده. والآيات التي تؤيد هذه الآية كثيرة جدا فهي أصل من أصول الدين الإلهي لا يفيد معها تأويل المغرورين، ولا غرور الجاهلين.
تفسير المنار
رشيد رضا