قوله تعالى : تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ( تلك ) اسم إشارة في محل رفع على الابتداء،
( أمة ) خبر مرفوع. والجملة الفعلية بعده نعت. و ( خلت ) بمعنى مضت، ويراد بالأمة المشار إليها والتي مضت هي آباء بني إسرائيل من النبيين مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم. فقد كان بنو إسرائيل يركنون إلى انتسابهم إلى آبائهم من النبيين والمرسلين، ويفاخرون الناس بهذا الانتساب، فبينت لهم هذه الآية أن السابقين من النبيين والصالحين قد مضوا، وأن ما كسبوه من عمل فهو لهم وليس بعائد عليكم، وأنه لن ينفعكم إلا ما قدمتموه لأنفسكم من أعمال.
وكذلك فإن أحد من أولئك لن يحمل من أوزاركم شيئا، وأن ما تقارفونه من الآثام والفسق والمعاصي إنما يحيق بكم وحدكم، ولن يغني عنكم أسلافكم من ذلك شيئا. وفي ذلك يقول سبحانه : ولا تزر وازرة وزر أخرى أي لا تحمل نفس ما اقترفه نفس أخرى من مخالفات وسيئات.
وكذلك الذي ورد في الحديث المرفوع " من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه " فإن كانت كفة الأعمال للمرء مرجوحة، فلن يشفع له أن يكون ذا نسب رفيع مشهور ؛ إذ لا قيمة لا عتبارات الحسب أو النسب أو العصبية كيفما كان نوعها أو صورتها، ولكن الاعتبار كله للعمل الصالح المشروع الذي تسبقه النية الحسنة والإخلاص الكامل لله وحده.
وعلى هذا فإن ما قدمه السلف من خير العمل ليس عائدا إلا عليهم أنفسهم، وإن كان الذي قدموه شرا فهو عليهم وحدهم ولا يسأل عنه الخلف وفي هذا يقول سبحانه : ولا تسألون عما كانوا يعملون .
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز