ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ

{ ) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ( البقرة : ١٤٦ )
التفسير :
قوله تعالى : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ؛ الذين مبتدأ ؛ والخبر جملة : يعرفونه ؛ والضمير الهاء المفعول يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ و كما ؛ الكاف للتشبيه ؛ و «ما » مصدرية أي كمعرفة أبنائهم.
قوله تعالى : آتيناهم أي أعطيناهم ؛ والمراد ب الكتاب التوراة، والإنجيل ؛ والذين أوتوهما اليهود، والنصارى ؛ وإنما كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ؛ لأنهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، إلى آخر ما ذكر من أوصافه التي عرفوه بها كما يعرفون أبناءهم ؛ وعبَّر بقوله تعالى : يعرفونه بالفعل المضارع ؛ لأن معرفتهم به تتجدد كلما تأملوا آياته، وصفاته ؛ وعبر بقوله تعالى : يعرفونه ؛ لأن الغالب أن «العلم » يعبر به عن الأمور المعقولة التي تدرك بالحس الباطن، و«المعرفة » يعبر بها عن الأمور المحسوسة المدركة بالحس الظاهر ؛ فأنا أقول لك :«أعرفت فلاناً » ؛ ولا أقول لك :«أعلمت فلاناً » ؛ لكن أقول :«أعرفت فلاناً فعلمت ما فعل » ؛ فهنا جعلنا العلم في الفعل ؛ و أبناءهم جمع ابن ؛ وخصه دون البنت ؛ لأن تعلق الإنسان بالذّكَر أقوى من تعلقه بالأنثى ؛ فهو به أعرف.
قوله تعالى : وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون يعني طائفة منهم تكتم الحق أي يخفونه، فلا يبينونه ؛ ولهذا ذكر الله في سورة آل عمران أن بعضهم يقول لبعض : كيف تبينون الهدى لمحمد، وأصحابه ؟ ! إذا بينتموه يحاجوكم به عند الله أفلا تعقلون ! فهم يتواصون بالكتمان والعياذ بالله.
وقوله تعالى : وهم يعلمون في موضع نصب على الحال من فاعل يكتمون وهو الواو ؛ يعني : يكتمون والحال أنهم يعلمون أنه الحق ؛ وهذا أبلغ في الذم، وأقبح في الفعل أن يكونوا كاتمين للحق وهم يعلمون.
الفوائد :
١ من فوائد الآية : أن النبي صلى الله عليه وسلم معروف عند أهل الكتاب معرفة تامة ؛ وذلك كما جاء في كتبهم، كما قال الله تبارك وتعالى : الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم [ الأعراف : ١٥٧ ].
٢ ومنها : أنه لا عذر ولا حجة لأهل الكتاب في إنكارهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنهم أوتوا من وصفه ما يعرفونه به كما يعرفون أبناءهم.
٣ ومنها : بيان أن تعلق الإنسان بالابن أقوى من تعلقه بالبنت ؛ لقوله تعالى : كما يعرفون أبناءهم ؛ فهو يعرف الابن أكثر مما يعرف البنت لقوة تعلقه به.
٤ ومنها : الاحتراس في القرآن الكريم، حيث قال تعالى : وإن فريقاً منهم ؛ لأن كتمان الحق لم يكن من جميعهم ؛ بل من فريق منهم ؛ وطائفة أخرى لا تكتم الحق ؛ فإن من النصارى من آمن، كالنجاشي ؛ ومن اليهود كعبد الله بن سلام مَن آمن، ولم يكتم الحق.
٥ ومنها : شدة اللوم، والذم لهؤلاء الذين يكتمون الحق ؛ لأنهم يكتمونه مع العلم به ؛ فهم عامدون ظالمون ؛ وهذا أشد قبحاً من كتمان الإنسان ما يكون متردداً فيه.

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير