السنة، وبالمغربِ: مغربُ الصيفِ في أطولِ يومٍ في السنة، فأقصرُ الأيام في الشتاء يومُ آخِرِ القوسِ، وهو انسلاخُ فصلِ الخريف، وكذلكَ اليومُ الذي يليه، وهو أولُ الجَدْي افتتاحُ فصلِ الشتاء، ويأتي ذلك في شهر كيهَك من السنة القبطية، وفي شهر كانون الأول من السنة السريانية، وأطولُ الأيام في الصيف يومُ آخرِ الجَوْزاء، وهو انسلاخُ فصلِ الربيع، وكذا اليومُ الذي يليه، وهو أولُ السَّرَطانِ افتتاحُ فصلِ الصيف، ويأتي ذلك في شهر بؤنة من السنة القبطية، وفي شهر حَزيرانَ من السنة السريانية، فمن جعلَ مغربَ الصيفِ في هذا الوقتِ عن يمينه، ومشرقَ الشتاء في ذلك الوقتِ عن يساره، كان وجهُه إلى القبلة، وهذا لمن يكونُ في المدينة الشريفة -على الحالِّ بها أفضلُ الصلاةِ والسلام-، وبيتُ المقدس ومصرُ والشامُ وما والاها ممن يستقبلُ الجدارَ الشاميَّ من الكعبةِ الشريفة، وهو الذي يليه حِجْرُ إسماعيلَ -عليه السلام- وبأعلاه الميزابُ.
ومن دلائلِ القبلةِ القطبُ، وهو نجمٌ، وقيلَ نقطةٌ إذا جعلَه المصلِّي وراءَ ظهرِه بالشامِ وما حاذاها، وخلفَ أُذنه اليمنى بالمشرقِ، وعلى عاتقِهِ الأيسرِ بإقليم مصر وما والاه، كان مستقبلًا للقبلة (١)، والله أعلم.
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦).
[١٤٦] الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مبتدأٌ، خبره:
ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا جزاءَ عملِه. قيل: أرادَ الذين ثبتوا مع أميرِهم عبدِ اللهِ بنِ جُبير حتى قُتلوا.
وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ المطيعين. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، وعاصمٌ، ويعقوبُ: (يُرِدْ ثَوَابَ) بإظهار الدال عندَ الثاء فيهما، والباقونَ: بالإدغام (١).
قال - ﷺ -: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرَىٍ ما نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" (٢).
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦).
[١٤٦] وَكَأَيِّنْ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ: بألفٍ ممدودةٍ (٣) بعدَ الكاف، وبعدها همزةٌ مكسورةٌ، وأبو جعفرٍ يُسَهِّلُ الهمزةَ، والباقون: بهمزةٍ مفتوحةٍ بعدَ الكاف، وبعدها ياءٌ مكسورة مشدَّدة، ووقف أبو عمروٍ، ويعقوبُ (وَكَأَيْ) بغيرِ نونٍ حيثُ وقعَ، وَوقف الباقُونَ (وَكَأَيِّنْ)، وهي كافُ
(٢) رواه البخاري (١)، كتاب: الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، ومسلم (١٩٠٧)، كتاب: الإمارة، باب: قوله - ﷺ -: "إنما الأعمال بالنية"، عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.
(٣) في "ت": "ممدود".
التشبيه ضُمَّتْ إلى أيِّ الاستفهام (١)، فصار المعنى: وكَمْ.
مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ أي: جموعٌ.
كَثِيرٌ قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ: (قُتِلَ) بضمِّ القاف وكسر التاء؛ أي: قُتل الربيون دون النبيِّ، قال الحسنُ وغيره: ما قُتِلَ نبيٌّ قَطُّ في قتالٍ، وقرأ الباقون: (قَاتَلَ) بفتحِ القافِ والتاءِ وألفٍ بينهما؛ أي: قاتلَ كائِنًا معه ربِّيون (٢).
فَمَا وَهَنُوا أي: جَبُنوا.
لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا عن الجهادِ.
وَمَا اسْتَكَانُوا خَضَعوا لعدوِّهم.
وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ومحبةُ اللهِ لهم ما يظهرُ عليهم من نصرهِ وتنعيمِه.
(٢) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٧٥)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢١٧)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٥٩ - ٣٦٠)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٨٣)، و"تفسير البغوي" (١/ ٤٣٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٨٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٧١).
فتح الرحمن في تفسير القرآن
أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي
نور الدين طالب