ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ
تفسير المفردات :
والشقاق : هو العداء والتنازع وهو أثر الاختلاف، وحقيقته أن يكون كل من الخصمين في شق أي جانب غير ما فيه الآخر.
المعنى الجملي :
بعد أن بين فيما سلف إباحة أكل الطيبات على خلاف ما عليه أهل الملل الأخرى، وأوجب عليهم شكر ربهم على نعمه التي أسداها إليهم، ذكر في هذه الآيات أن بعض الرؤساء الذين حرموا على الناس ما لم يحرمه الله، وشرعوا لهم ما لم يشرعه، قد كتموا ما شرعه الله بالتأويل أو بالترك، فاليهود والنصارى ومن حذا حذوهم كتموا أوصاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأوجبوا التقشف في المآكل والمشارب، ونحو ذلك مما لهم فيه منفعة كما قال : تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا
الإيضاح :
أي ذلك العذاب الذي تقرر لهم بسبب أن الكتاب جاء بالحق ؛ والحق لا يغالب، فمن غالبه غلب.
وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ أي وإن الذين اختلفوا في الكتاب الذي نزله الله لجمع الكلمة على اتباع الحق وإزالة الاختلاف، لفي شقاق بعيد عن سبيل الحق، فلا يهتدون إليه، إذ كل منهم يخالف الآخر بما ابتدعه من رأي ومذهب، وينأى بجانبه عن الآخر، فيكون الشقاق بينهما بعيدا.
وهذا وعيد آخر بعد الوعيد الأول على كتمان الحق، فالمختلفون لا يسلكون سبيلا واحدة كما يدعو إلى ذلك القرآن وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله فلا يجوز لأهل الكتاب الإلهي أن يكونوا شيعا ومذاهب شتى كما قال : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء .
فإذا وجد خلاف في الفهم ( وهو ضروري في طباع البشر ) وجب التحاكم إلى الكتاب والسنة حتى يزول كما قال : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول وليس هناك عذر للمسلمين في الاختلاف في دينهم، لأن الله أوجد لكل مشكل مخرجا، على أن ما تختلف فيه الأفهام لا يقتضي الشقاق والنزاع، بل يسهل على جماعة المسلمين من أهل العلم أن ينظروا فيما اختلف فيه، وما يرون أنه الراجح يعتمدون عليه، إذا تعلق بمصلحة الأمة والأحكام المشتركة بينها.
تفسير المراغي
المراغي