ﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂ

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَالُ أُولَئِكَ الْجَاحِدِينَ الْمُعَانِدِينَ - الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى، وَاتَّخَذُوا إِلَهَهُمُ الْهَوَى، وَوَاثَبُوا الْحَقَّ يُقَارِعُهُمْ وَيُقَارِعُونَهُ، وَنَاصَبُوا الدَّلِيلَ يُنَازِعُهُمْ وَيُنَازِعُونَهُ - بِحَالِ الَّذِي يَتَقَحَّمُ فِي النَّارِ، وَيُكْرِهُ نَفْسَهُ عَلَى الِاصْطِبَارِ، كَمَا يَتَمَثَّلُ ذَلِكَ الثَّمَنُ الْقَلِيلُ الَّذِي بَاعُوا بِهِ الْحَقَّ نَارًا يَزْدَرِدُونَهَا، إِذْ كَانَ آلَامًا يَتَحَمَّلُونَهَا ; فَمُكَابَرَةُ الْبُرْهَانِ أَشَدُّ الْعَذَابِ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ، وَمُحَارَبَةُ الْقَلْبِ (الضَّمِيرِ وَالْوِجْدَانِ) أَوْجَعُ الْآلَامِ عِنْدَ الْفُضَلَاءِ، فَالْعَاقِلُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ مِنْ أَكْثَرِ اللَّذَّاتِ الْحِسِّيَّةِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْنَعَ عَقْلَهُ الْعِلْمَ وَذِهْنَهُ الْفَهْمَ، فَقَدْ قِيلَ (لِدِيُوجِينَ) : لَا تَسْمَعْ، فَسَدَّ أُذُنَيْهِ. فَقِيلَ لَهُ: لَا تُبْصِرْ، فَأَغْمَضَ عَيْنَيْهِ. فَقِيلَ لَهُ: لَا تَذُقْ، فَقَبِلَ. فَقِيلَ لَهُ: لَا تَفْهَمْ. فَقَالَ: لَا أَقْدِرُ. فَلَا غَرْوَ إِذَا مُثِّلَتْ لِلنَّبِيِّ حَالُ أُولَئِكَ الْمُكَابِرِينَ لِلْحَقِّ مِمَّا ذُكِرَ وَأَظْهَرَتْهُ الْبَلَاغَةُ بِصِيغَةِ التَّعَجُّبِ تَارَةً، وَبِصُورَةِ أَكْلِ النَّارِ تَارَةً.
قَالَ تَعَالَى فِي تَعْلِيلِ مَا ذُكِرَ: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) أَيْ: ذَلِكَ الْحُكْمُ الَّذِي تَقَرَّرَ فِي شَأْنِهِمْ هُوَ بِسَبَبِ أَنَّ الْكِتَابَ جَاءَ بِالْحَقِّ، وَالْحَقُّ لَا يُغَالَبُ وَلَا يُقَاوَى، فَمَنْ غَالَبَهُ غُلِبَ، وَمَنْ خَذَلَهُ خُذِلَ. ثُمَّ قَالَ: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) أَيْ: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللهُ لِلْحُكْمِ فِي الْخِلَافِ وَجَمْعِ الْكَلِمَةِ عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ لَفِي شِقَاقٍ وَعَدَاءٍ بِعِيدٍ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ فَأَنَّى يَهْتَدُونَ إِلَيْهِ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يُخَالِفُ الْآخَرَ بِمَا ابْتَدَعَهُ مِنْ مَذْهَبٍ أَوْ رَأْيٍ فِيهِ حَتَّى صَارَ (أَيِ الْكِتَابُ) وَهُوَ مُزِيلُ الِاخْتِلَافِ - أَعْظَمَ أَسْبَابِهِ، يُطْرَقُ لِأَجْلِ إِزَالَتِهِ وَالْحُكْمِ فِيهِ كُلُّ بَابٍ غَيْرُ بَابِهِ؟ وَالشِّقَاقُ: الْخِلَافُ وَالتَّعَادِي، وَحَقِيقَتُهُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَصْمَيْنِ فِي شِقٍّ أَيْ فِي جَانِبٍ غَيْرِ الَّذِي فِيهِ الْآخَرُ، وَالْمُخْتَلِفُونَ فِي الدِّينِ يَنْأَى كُلٌّ بِجَانِبِهِ عَنِ الْآخَرِ فَيَكُونُ الشِّقَاقُ بَيْنَهُمَا بَعِيدًا كَمَا تَرَى.
هَذَا حُكْمٌ آخَرُ فِي الْكِتَابِ غَيْرُ حُكْمِ كِتْمَانِهِ، فَهُوَ يُفْهِمُنَا أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ بُعْدٌ عَنِ الْحَقِّ كَكِتْمَانِهِ ; لِأَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ وَهُوَ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ الْكِتَابُ، وَالْمُخْتَلِفُونَ لَا يَدْعُونَ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَلَا يَسْلُكُونَ سَبِيلًا وَاحِدَةً. (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تُتْبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) (٦: ١٥٣) وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ
الْإِلَهِيِّ أَنْ يُقِيمُوا عَلَى خِلَافٍ فِي الدِّينِ، وَلَا أَنْ يَكُونُوا شِيَعًا كُلٌّ يَذْهَبُ إِلَى مَذْهَبٍ (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) (٦: ١٥٩) وَلَمَّا كَانَ اخْتِلَافُ الْفَهْمِ ضَرُورِيًّا لِأَنَّهُ مِنْ طِبَاعِ الْبَشَرِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَحَاكَمُوا فِيهِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حَتَّى يَزُولَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ.
(فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ٤: ٥٩) فَلَا عُذْرَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الِاخْتِلَافِ فِي دِينِهِمْ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ الَّذِي جَعَلَ لِكُلِّ مُشْكِلٍ مَخْرَجًا.
الشِّقَاقُ أَثَرٌ طَبِيعِيٌّ لِلِاخْتِلَافِ، وَالِاخْتِلَافُ فِي الْأُمَّةِ أَثَرٌ طَبِيعِيٌّ لِلتَّقْلِيدِ وَالِانْتِصَارِ لِلرُّؤَسَاءِ الَّذِينَ اتُّخِذُوا أَنْدَادًا - وَلَوْ بِدُونِ رِضَاهُمْ وَلَا إِذْنِهِمْ - إِذْ لَوْلَا التَّقْلِيدُ لَسَهُلَ عَلَى الْأُمَّةِ

صفحة رقم 87

أَنْ تُرْجِعَ فِي كُلِّ عَصْرٍ أَقْوَالَ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْمُسْتَنْبِطِينَ إِلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ بِعَرْضِهِ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ صَرِيحَانِ فِي أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُّ إِلَّا إِذَا تَوَلَّى الْعَقْدَ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ بِرِضَاهَا أَوْ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى هَذَا عَمَلًا، وَنُقِلَ عَنْ أَعْلَمِهِمْ قَوْلًا، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ فِيهِ خِلَافًا صَحِيحًا، فَإِذَا وُجِدَ لِلْحَنَفِيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا مُخَالِفٌ لِلنُّصُوصِ وَهُوَ أَنَّ لِلْبَالِغَةِ الرَّاشِدَةِ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا وَثَانِيهِمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلنُّصُوصِ أَفَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ - وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - أَنْ يَعْرِضُوهَا عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَسَائِرِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَيَرُدُّوا الرِّوَايَةَ الْمُخَالِفَةَ وَيَعْمَلُوا بِالْمُوَافِقَةِ؟ بَلَى ; وَلَكِنَّ التَّقْلِيدَ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَهُمْ فِي الشِّقَاقِ الْبَعِيدِ.
وَيَتَوَهَّمُ بَعْضُهُمْ أَنَّ تَرْكَ أَقْوَالِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ إِهَانَةٌ لَهُمْ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ هُوَ عَيْنُ التَّعْظِيمِ لَهُمْ، وَالِاتِّبَاعِ لِسِيرَتِهِمُ الْحَسَنَةِ. وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ إِهَانَةٌ - وَكَانَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا اتِّبَاعُ هَدْيِ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - أَفَلَا تَكُونُ وَاجِبَةً وَيَكُونُ تَعْظِيمُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ لِأَنَّ إِهَانَتَهَا كُفْرٌ وَتَرْكٌ لِلدِّينِ؟ عَلَى أَنَّ تَرْكَ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ وَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ، فَإِنَّ أَتْبَاعَ كُلِّ إِمَامٍ تَارِكُونَ لِأَقْوَالِ غَيْرِهِ الْمُخَالِفَةِ لِمَذْهَبِهِمْ ; بَلْ مَا مِنْ مَذْهَبٍ إِلَّا وَقَدْ رَجَّحَ بَعْضُ عُلَمَائِهِ أَقْوَالًا مُخَالِفَةً لِنَصِّ الْإِمَامِ وَلَا سِيَّمَا الْحَنَفِيَّةُ.
هَذَا - وَإِنَّ الْكِتَابَ لَا مَثَارَ فِيهِ لِلْخِلَافِ وَالنِّزَاعِ إِذَا صَحَّتِ النِّيَّةُ، فَكُلُّ مَنْ يَتَعَلَّمُ الْعَرَبِيَّةَ تَعَلُّمًا صَحِيحًا وَيَنْظُرُ فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ وَسِيرَتِهِ وَمَا جَرَى عَلَيْهِ السَّلَفُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينِ لَهُمْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْهَمَهُ، وَمَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الْأَفْهَامُ لَا يَقْتَضِي الشِّقَاقَ،
بَلْ يَسْهُلُ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ أَنْ يَنْظُرُوا فِي الْفَهْمَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ وَطُرُقِ التَّرْجِيحِ بَيْنَهُمَا، وَمَا ظَهَرَ لِكُلِّهِمْ أَوْ أَكْثَرِهِمْ أَنَّهُ الرَّاجِحُ يَعْتَمِدُونَهُ إِذَا كَانَ يَتَعَلَّقُ بِمَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ وَالْأَحْكَامِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهَا، وَمَا عَسَاهُ يَنْفَرِدُ بِهِ بَعْضُ الْأَفْرَادِ مِنْ فَهْمٍ خَاصٍّ بِمَعَارِفِهِ يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ فَهُوَ لَا يَقْتَضِي شِقَاقًا ; لِأَنَّ الشِّقَاقَ فِيهِ مَعْنَى الْمُشَارَكَةِ. وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
وَأَزِيدُ هَذَا إِيضَاحًا بِمَا حَقَّقْتُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ الطَّبْعَةِ الْأُولَى لِهَذَا الْجُزْءِ، وَهُوَ أَنَّ مَا كَانَ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ مِنَ النُّصُوصِ فَهُوَ الشَّرْعُ الْعَامُّ الَّذِي يَجِبُ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ اتِّبَاعُهُ عَمَلًا وَقَضَاءً، وَأَنَّ مَا كَانَ ظَنِّيَّ الدَّلَالَةِ فَهُوَ مَوْكُولٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْأَفْرَادِ فِي التَّعَبُّدَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ، وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ فِي الْأَحْكَامِ الْقَضَائِيَّةِ، وَسَنَعُودُ إِلَى بَيَانِ هَذَا فِي تَفْسِيرِ (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) (٢: ٢١٩) مِنْ هَذَا الْجُزْءِ.

صفحة رقم 88

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني

الناشر 1990 م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية