٢٠٣- ( واذكروا الله في أيام معدودات ) ١ |البقرة : ٢٠٣|.
الأيام المعدودات الثلاثة التي بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، وليس يوم النحر من " المعدودات "، و " المعلومات " يوم النحر ويومان بعده، فيوم النحر معلوم غير معدود، واليوم الرابع ليوم النحر معدود غير معلوم، واليومان اللذان بعده معلومان معدودان، هكذا روى نافع عن ابن عمر، وهو قول مالك وغيره٢.
وقال ابن عباس وغيره : " المعدودات " العشر، و " المعلومات " أيام النحر. وقال زيد بن أسلم : " الأيام المعلومات " يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، و " المعلومات " فقالا مرة مثل قول مالك، وقالا مرة : هي العشر آخرها يوم النحر٣. وقال ابن زيد : " المعلومات " عشر ذي الحجة، وأيام التشريق.
ففي " المعدودات " قولان :
أحدهما : أنها ثلاثة أيام بعد يوم النحر.
والثاني : أنها أيام العشر.
وفي المعلومات أربعة أقوال :
أحدها : أنها يوم النحر ويومان بعده.
والثاني : أنها يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق.
والثالث : أنها أيام العشر وآخرها يوم النحر.
والرابع : أنها عشر ذي الحجة وأيام التشريق٤. وروي عن أبي يوسف أنه ذهب إلى أن المعلومات أيام النحر٥. وقال : إليه أذهب لأنه تعالى قال حين ذكرها :( على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) |الحج : ٢٨|.
قال أبو الحسن : هذا الاحتجاج لا يصح، لأن في العشر يوم النحر، وفيه الذبح، قال : ولا يشك أحد أن المعدودات لا تتناول أيام العشر لأن الله تعالى يقول :( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ) |البقرة : ٢٠٣| وليس في العشر حكم يتعلق بيومين دون الثالث٦.
وهذا الذي قاله أبو الحسن من رفع الشك فيما ذكر فيه نظر. كيف يزول الشك، والآية محتملة ؟ إذ يحتمل قوله تعالى :( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ) أن يكون ذكر حكم الرمي بعد حكم الذكر لأن الرمي في أيام الذكر فالاحتمال ظاهر. وأظهر الأقوال على ألفاظ الآيتين قول مالك رحمه الله، ومن تابعه.
والأمر بذكر الله عز وجل في الأيام المعدودات، عند أكثر الفقهاء، يراد به التكبير عند رمي الجمار، وفي أدبار الصلوات.
وقد اختلفوا في مدة التكبير٧ :
فقال مالك وأصحابه : يبدأ عقيب الظهر من يوم النحر، ويقطع عقيب الصبح يوم رابع النحر، وجملته خمسة عشر صلاة. وهذا قول ابن عمر، وغيره من الصحابة.
وقال يحيى بن سعيد : يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى الظهر من آخر أيام التشريق، قال بعضهم : وبه قال الشافعي.
وقول مالك هو الظاهر من أقوال الشافعي، وقد قال إنه الظهر من يوم النحر، ويقطع بعد العصر من آخر أيام التشريق. وقال أيضا يبدأ ليلة النحر بعد الغروب، ويقطع في العصر.
فحصل للشافعي أربعة أقوال.
وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وابن عباس : يكبر في صلاة الصبح من يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق.
وقال ابن مسعود وأبو حنيفة : يكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر. وقال سعيد بن جبير : يكبر من الظهر من يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق.
وقال الحسن بن أبي الحسن : يكبر في صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الظهر من يوم النفر الأول.
وقال أبو وائل يكبر في صلاة الظهر يوم عرفة إلى صلاة الظهر يوم النحر.
ودليل قول مالك، ومن تابعه قوله تعالى :( فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله ) والفاء للتعقيب، فأول صلاة تلي قضاء النسك صلاة الظهر يوم النحر. وذلك أنهم يرمون الجمرة، ويطوفون طواف الإفاضة.
وفي يوم عرفة لم يقض منها٨ شيئا. والتكبير في أدبار الصلوات لكل أحد، من مسافر وحاضر وامرأة وحر وعبد منفردين أو في جماعة خلافا لأبي حنيفة في قوله : ولا يكبر مسافر ولا امرأة ولا منفرد. ودليل أهل المذهب قوله تعالى :( فإذا قضيتم مناسككم ) وقوله :( واذكروا الله في أيام معدودات ) فعم٩.
ولا يكبر في أعقاب النوافل على الأشهر من قول مالك١٠.
وقال الشافعي : إنه يكبر في أعقابها. وقد روى الواقدي مثل هذا القول عن مالك. والحجة لهذا القول عموم الآيتين. وحجة القول الأول أنها صلاة نفل كسجود القرآن.
٢٠٣- وقوله تعالى :( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ) |البقرة : ٢٠٣|الآية : يعني بهذا في رمي الجمار سبعون حصاة، سبعة منها بجمرة العقبة يوم النحر، وثلاثة وستون بأيام منى، وهي الأيام المعلومات ثلاثة أيام بعد يوم النحر، كل يوم ثلاثة جمرات كل جمرة بسبع حصيات فيأتي كل يوم إحدى وعشرون حصاة فيأتي في مجموعها ثلاثة وستون، وهذا إن لم يعجل ومن تعجل أسقط منها إحدى وعشرين حصاة بثلاثة جمرات، وهي لليوم الذي يتعجل عن الرمي فيه فيأتي رميه تسعا وأربعين واليوم الذي يتعجل عن الرمي فيه، هو اليوم الآخر من أيام التشريق، وهو الرابع ليوم النحر، لأن التعجيل إنما يأتي في اليوم الثاني من منى، وهو اليوم الثالث ليوم النحر. وقد أباح الله ذلك بهذه الآية، وبهذا قال مالك وابن مواز١١ من أصحابه.
وأما ابن حبيب فقال : إن سنة التعجيل أن يرمي في اليوم الثاني من أيام منى، وهو الثالث ليوم النحر إحدى وعشرين حصاة كيومه ذلك، ثم يرجع من فوره ذلك فيرمي ذلك أيضا إحدى وعشرين حصاة عن اليوم الثالث في أيام منى، وهو اليوم الرابع ليوم النحر، ثم ينفر لوجهه صادرا حتى يأتي مكة. وبهذا قال ابن شهاب، فيكون رمي التعجيل على هذا القول سبعين حصاة كرمي غير التعجيل.
قال ابن عباس، والحسن، وعكرمة، ومجاهد : معنى الآية في قوله تعالى :( فلا إثم عليه ) أن ذلك كان مباحا وعبر عنه بهذا التقسيم اهتماما وتأكيدا إذ كان من العرب من يذم التعجيل وبالعكس، فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك١٢.
وذهب بعضهم إلى أن معنى قوله :( فلا إثم عليه ) أنه إن أثم بما سلف من ذنوبه فقد سقط عنه، ولم يبق عليه منها شيء، وهو قول ابن عمر وابن عباس أيضا وغيرهما من الصحابة١٣.
وقال بمثل ذلك جماعة من التابعين قال : وقال بعض التابعين الإثم عليه في تعجيله، وهو خطأ لأنه لو كان المتعجل وضع عنه الإثم لتعجله لما أعيد ذكر ذلك في المتأخر لأن المتأخر قد بلغ أقصى ما حد له. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يشهد لهذا التأويل قال : " من حج فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كما ولدته أمه " ١٤.
واختلفوا فيمن أبيح له التعجيل، فذهب بعض العلماء إنما أبيح لمن بعد قطره، لا للمكي والقريب، إلا أن يكون له عذر. وذهب بعضهم إلى أن الناس كلهم مباح لهم ذلك. وقد جاء عن مالك في أهل مكة الروايتان، والأول هو الأشهر من قول مالك. والثاني قول عطاء وغيره١٥. وروي عن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- أنه يباح النفر الأول لجميع الناس إلا آل خزيمة. قال ابن حنبل، وإسحاق : لأنهم آل حرم. وحجة من رأى ذلك لجميع الناس قوله تعالى :( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ) الآية. فعم ولم يخص مكيا من غيره. وأكثر أهل المذهب كما قلنا أنه يسقط رمي الجمرة الثالثة عمن تعجل. وقال ابن أبي زمنين : يرميها في يوم النفر الأول حين يريد التعجيل١٦. وهذا القول مما يمكن أن تتأول عليه الآية فيكون التعجيل أن يصنع في يومين ما يصنع في الأيام الثلاثة وهذا لعمري تأويل ظاهر.
٢ في الموطأ في الحج (١/٥٤٠، ٥٤١) قال ابن عبد البر: "فذلك إجماع لا خلاف فيه" الاستذكار (١٣/١٧٤)..
٣ قول أبي حنيفة والشافعي ذكرهما الجصاص في أحكام القرآن (١/٣٩٤، ٣٩٥) والهراسي في أحكام القرآن (١/١٢٠، ١٢١)..
٤ يراجع كلام ابن العربي في أحكام القرآن (١/١٤٠، ١٤٣)..
٥ ذكره الجصاص في أحكام القرآن (١/٣٩٤)..
٦ أحكام القرآن للكيا الهراسي (١/١٢١)..
٧ يراجع لهذا الموطأ في الحج (١/٥٤٠) والإشراف لعبد الوهاب (١/٣٤٧، ٣٤٨) والاستذكار لابن عبد البر (١٣/١٧٢- ١٧٣) والمحرر الوجيز لابن عطية (٢/٣ -٧) وتفسير القرطبي (٣/٤)..
٨ في أ "منه"..
٩ قارن بكلام عبد الوهاب في الإشراف (١/٣٤٨/ رقم ٤٤٦)..
١٠ يراجع المصدر السابق (١/٣٤٨/ رقم ٤٤٧)..
١١ يراجع قول ابن المواز في المحرر الوجيز (٢/٩)..
١٢ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٧) وفيه "المتعجل"..
١٣ يراجع أقوال العلماء في تفسير الطبري (٢/٤٠٦ -٤١٥) وأحكام القرآن للجصاص (١/٣٩٣ -٣٩٣) وتفسير القرطبي (٣/١ -٣)..
١٤ أخرجه عن أبي هريرة البخاري في الحج (١٥٢١) ومسلم في الحج (١٣٥٠)..
١٥ يراجع المحرر الوجيز (٢/٧)..
١٦ نقله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٩) ويراجع تفسير القرطبي (٣/٤ -١٤)..
أحكام القرآن
ابن الفرس