واذكروا الله في أيام معدودات وهي أيام التشريق، سميت معدودات لقلتهن كذا روى عن ابن عباس وغيره ويدل على ذلك قوله تعالى فمن تعجّل في يومين من أيام التشريق يعني استعجل في النفر ونفر في ثاني أيام التشريق. اتفقوا على أنه من لم ينفر ودخل عليه الثالث من أيام التشريق وجب عليه رمي ذلك اليوم، واختلفوا في أنه هل يعتبر دخول الليلة الثالثة من ليالي أيام التشريق أو الثالث من أيامها ؟ فقال الجمهور : المعتبر دخول الليل فمن أقام بمنى حتى دخلت الليلة الثالثة لا يحل له النفر حتى يرمي الجمار في اليوم الثالث، وقال أبو حنيفة : لا يجب ذلك حتى يصبح بمنى وله أن ينفر من الليل كان كمن سافر قبل وقت الجمعة، وقال غيره الليل وإن لم يكن وقت للرمي فهو وقت للمبيت والمبيت بمنى واجب فبعد دخول الليل وجب المبيت فلا يحل النفر. والله أعلم فلا إثم عليه فإنه أخذ بالرخصة ومن تأخر في النفر حتى يرمي اليوم الثالث فلا إثم عليه وهو أولى وأفضل، وفيه رد على أهل الجاهلية كان منهم من أثم المتعجل ومنهم من أثم المتأخر لمن اتقى أي هذه الأحكام لمن اتقى فإنه هو المنتفع به، وقيل : لمن اتقى أن يصيب في حجه شيئا مما نهاه الله عنه رجع مغفورا لا ذنب عليه سواء تعجل في النفر أو تأخر، قال البغوي : هذا قول علي وابن مسعود رضي الله عنه، ويؤيده من المرفوع عن أبي هريرة، وعنه في الصحيحين مرفوعا الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة وعن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد » رواه الشافعي والترمذي وعن عمرو ونحوه رواه أحمد.
اعلم أن المقام بمنى أيام التشريق والمبيت بها في لياليها وكذا الرمي ليس بركن إجماعا لقوله تعالى : فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله فإن الترتيب والتعقيب يدل على المغايرة. واختلفوا في وجوبها ؟ فقال أحمد : المبيت والرمي كلاهما واجبان، وقال مالك : المقام والمبيت واجب والرمي سنة مؤكدة، وقال أبو حنيفة بالعكس وهو رواية عن أحمد، وللشافعي قولان : أحدهما كأحمد والثاني كأبي حنيفة، وقال بعضهم : إنما شرع الرمي حفظا للتكبير فإن ترك وكبر أجزأه حكاه ابن جرير عن عائشة وغيرها وهذا المذهب يوافق ظاهر الآية لكنه خلاف ما استقر عليه الإجماع. احتج أحمد بهذه الآية وقال : هذه الآية تحتمل إيجاب الأمرين وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم التحق بيانا لإجمالها وقد قال عليه السلام :«خذوا عني مناسككم » وقال أبو حنيفة : المقصود بالمقام والمبيت هو الرمي بدليل ما رواه البخاري عن ابن مسعود أنه رمى من بطن الوادي فقيل له إن ناسا يرمونها من فوقها فقال : والذي لا إله غيره هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة فإن هذا القول إشارة إلى أن هذه الآية في الرمي لا غير، وما رواه عاصم بن عدي قال رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في البيتوتة بمنى يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ثم يرمون يوم النفر، رواه مالك وغيره، وفي النسائي : رخص للرعاء في البيتوتة يرمون يوم النحر واليومين الذين بعده يجمعونهما في أحدهما، قال مالك : تفسير الحديث : أنهم يرمون يوم النحر فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد وذلك يوم النفر الأول يرمون اليوم الذي مضى قضاء ثم يرمون ليومهم. وجه الاحتجاج أن إيجاب قضاء الرمي دون المبيت دليل على وجوب الرمي مقصودا وعدم وجوب المبيت إلا تبعا للرمي، قال أحمد : الترخيص في المبيت للرعاء للضرورة لا يدل على عدم الوجوب مطلقا بل يدل على الوجوب فإن الرخصة لا تكون إلا فيما هو واجب، والحجة لمالك : أنه قد روي عن عمر وابنه أنهما كانا يكبران تلك الأيام خلف الصلوات وفي المجالس على الفراش والفسطاط وفي الطريق ويكبر الناس بتكبيرهما ويتأولان هذه الآية. وجه الاحتجاج أن الذكر في أيام التشريق مطلقا سواء كان بمنى أو غيره ليس بواجب إجماعا بل هو مقيد بمنى يدل عليه قوله تعالى : فمن تعجل يعني في النفر الآية ولا شك أن المقام هناك بنية التقرب ذكر وانضمام الذكر اللساني أولى وأفضل فحمل الآية هو المقام والرمي كما لا يخفى والله اعلم. واعلم أنه ثبت بالسنة وهو بيان لإجمال الآية أن الرمي يوم النحر في جمرة العقبة فقط بسبع حصيات ووقته من طلوع الفجر يوم النحر عند أبي حنيفة ومالك، ومما بعد نصف الليل من ليلة النحر عند أحمد والشافعي، ومن طلوع الشمس يوم النحر عند مجاهد والحجة لمجاهد حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم ضعفة أهله وقال :«لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس » رواه الترمذي وقال : هذا حديث صحيح، قلنا : هذا محمول على الاستحباب ويدل على الجواز بعد الصبح قبل طلوع الشمس ما رواه الطحاوي بأسانيده عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه مع النقل وقال :«لا ترموا الجمرة حتى تصبحوا » وهو حجة لنا على الشافعي وأحمد في عدم جواز الرمي قبل الصبح، وما احتج به الشافعي وأحمد من حديث عائشة قالت : أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت، رواه الدارقطني حديث ضعيف في سنن ضحاك بن عثمان لينه القطان، ثم هي محمول على أنها رمت قبل صلاة الفجر لا قبل طلوع الفجر فهو حجة لنا على مجاهد، وآخر وقته عند أبي يوسف إلى الزوال لأنه صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة يوم النحر ضحوة، وعند الجمهور إلى الغروب لحديث ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل يوم النحر بمنى فيقول :" لا حرج " فسأله رجل فقال : حلقت قبل أن أذبح ؟ قال :" اذبح ولا حرج " قال : رميت بعد ما أمسيت ؟ فقال :" لا حرج " رواه البخاري وغيره. ومعنى قوله بعدما أمسيت أي بعد الزوال إذ المساء يطلق على بعد الزوال وليس المراد بعد الغروب لأن يوم النحر يطلق قبل الغروب لا بعده، وفي بعض طرق الحديث صريح أن السؤال كان وقت الظهر، وآخر وقته المكروه إلى طلوع الفجر من يوم الحادي عشر لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء أن يرموا ليلا رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس وهذا يدل على الجواز للمعذور وعلى الكراهة لغير المعذور. والرمي في أيام التشريق في ثلاثة جمار الجمرة الدنيا والجمرة الوسطى والجمرة العقبة يرمي عند كل جمرة بسبع حصيات وأول وقتها في أول أيام التشريق أي يوم القرار وثانيهما يعني يوم النفر الأول بعد الزوال إجماعا لما في حديث جابر وغيره، ثم لم يرم النبي صلى الله عليه وسلم حتى زالت الشمس وآخر وقته في كل يوم بلا كراهة إلى الغروب وللمعذورين إلى طلوع الفجر من اليوم الثاني وذلك مع كراهة لغير المعذور ولما مر أنه صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء أن يرموا ليلا، وكذا في اليوم إجماعا لأن تلك الليلة ليست من أيام التشريق، وقال أبو حنيفة : يجوز الرمي في ذلك اليوم قبل الزوال، ولم أطلع على دليل لهذا القول غير ما ذكر ابن همام عن ابن عباس أنه قال : إذا انتفخ النهار من يوم النفر فقد حل الرمي والصدر، رواه البيهقي قال : والانتفاخ الارتفاع، وفي سنده طلحة بن عمر وضعفه البيهقي وابن معين والدارقطني وقال أحمد متروك الحديث. وهل يشترط الترتيب بين الجمار في أيام التشريق ؟ فعند الجمهور الترتيب واجب وعند أبي حنيفة سنة، وجه قول الجمهور : أن كل ما لا يدرك بالرأي فرعاية جميع الخصوصيات الواردة فيه واجب ولم ينقل فوات الترتيب، وقال أبو حنيفة : لو كان الرمي في الجمرات الثلاث نسكا واحدا كان مراعاة خصوصياته واجبا لكن الرمي في كل جمرة نسك برأسه فلا بد في كل منها رعاية خصوصياته وأما الترتيب بين المناسك العديدة فليس بشرط كما أن الترتيب بين الرمي والذبح والحلق ليس بشرط، فكان القياس على قول أبي حنيفة إن ذلك الترتيب إن لم يكن شرطا لكن ليكن واجبا ينجبر بالدم كالترتيب بين الرمي والذبح والحلق ولم يظهر لي وجه الفرق بين المسألتين والله أعلم واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون فيجازيكم على حسب أعمالكم وإخلاصكم والله أعلم.
التفسير المظهري
المظهري