وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ
المعنى الجملي :
كان العرب في الجاهلية يجتمعون بعد فراغهم من حجهم ومناسكهم، يتفاخرون بمآثر آبائهم، فيقول الرجل منهم : كان أبي يطعم ويحمل الحمالات والديات، ليس له ذكر غير فعال آبائه فأنزل الله هذه الآية.
ويروى أنهم كانوا يقفون بمنى بين المسجد والجبل يتفاخرون ويتناشدون، فأمرهم الله أن يذكروه بعد قضاء مناسك الحج، كما كانوا يذكرون آباءهم في الجاهلية أو أشد من ذكرهم إياهم.
وخطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع في اليوم الثاني من أيام التشريق، فأرشدهم إلى ترك تلك المفاخرات فقال : أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، أبلغت، قالوا بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
الإيضاح :
الأيام المعدودات هي أيام منى، وهي أيام التشريق الثلاثة من حادي عشر من ذي الحجة إلى ثالث عشر، وقد روى أرباب السنن عن عبد الرحمن بن يعمر قال : إن ناسا من أهل نجد أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو واقف بعرفة فسألوه، فأمر مناديا ينادي ( الحج عرفة، من جاء ليلة جمع – مزدلفة – قبل طلوع الفجر فقد أدرك، أيام منى ثلاثة أيام، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه ).
وأردف رجلا ينادي بهن، أي ركب معه رجلا ينادي بهذه الكلمات، ليعرف الناس الحكم، وهو أن من أدرك عرفة ولو في الليلة التي ينفر فيها الحاج إلى المزدلفة للمبيت فيها وهي الليلة العاشرة من ذي الحجة فقد أدرك الحج، وأن أيام منى ثلاثة، وهي التي يرمون فيها الجمار وينحرون فيها هديهم وضحاياهم، فمن فعل ذلك في اليومين الأولين منها جاز له، ومن تأخر إلى الثالث جاز له، بل هو الأفضل لأنه الأصل.
وبينت السنة أن ذكر الله في هذه الأيام هو التكبير في إدبار الصلوات، وعند ذبح القرابين، وعند رمي الجمار، روي عن الفضل بن العباس قال : كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من جمع ( مزدلفة ) إلى منى. فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، وروي عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يكبر بمنى تلك الأيام، وعلى فراشه، وفي فسطاطه، وفي مجلسه وفي ممشاه في تلك الأيام جميعا.
والذكر في يوم عرفة ويوم النحر لغير الحاج التكبير، وللحاج هذا وغيره، والمأثور من التكبير، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرا، ومن التلبية، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك لك، لا شريك لك.
فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى أي فمن تعجل وطلب الخروج من منى في تمام يومين بعد يوم النحر واكتفى برمي الجمار فيهما ولم يمكث حتى يرمي الجمار في اليوم الثالث، فلا إثم عليه بهذا التعجيل، إذ المطلوب أن يبيت بمنى الليلة الأولى والثانية من أيام التشريق، ويرمي كل يوم بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة، عند كل جمره سبع حصيات ( والجمرة جمعها جمار وجمرات وهي مجتمع الحصى ) ورميها من ذكريات المناسك المأثورة عن إبراهيم عليه السلام كذبح القرابين وعامة أعمال الحج.
ومن لم ينفر حتى غربت شمس اليوم الثاني فعليه أن يبيت حتى يرمي اليوم الثالث قبل الزوال أو بعده، ثم ينفر و إثم عليه بترك الترخيص.
وهذا التخيير ونفي الإثم عن المستعجل والمتأخر، إنما هو لمن اتقى الله وترك ما نهي عنه، لأنه هو الحاج على الحقيقة، فما الغرض من كل عبادة إلا التقوى كما قال : إنما يتقبل الله من المتقين .
والوسيلة إلى ذلك ذكر الله بالقلب واللسان ومراقبته في جميع الأحوال حتى يكون عبدا له لا لأهوائه وشهواته.
وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي واتقوا الله حين أدائكم مناسك الحج وفي جميع شئونكم واعلموا أنكم ستجمعون وتبعثون للجزاء على أعمالكم يوم القيامة، والعاقبة حينئذ لمن اتقى كما قال تعالى : تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا .
ومن علم بأنه محاسب على أعماله مجازى عليها. كان ذلك باعثا له على العمل، وداعيا له إلى ملازمة التقوى، أما من كان على شك أو ظن فإنه يعمل تارة ويترك أخرى.
وقد كرر الأمر بالذكر وبين منزلة التقوى ليشعرنا بأن المهم في العبادة هو ذكر الله الذي يصلح النفس ويوجه القلب إلى عمل الخير، ويبعدها عن الشرور والمعاصي، فيكون فاعلها من المتقين.
تفسير المراغي
المراغي