ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ

مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم * الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون * قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعا أذى والله غني حليم * يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين*
أعاد الأستاذ الإمام التذكير هنا بأن من سنة القرآن الحكيم مزج آيات الأحكام بآيات المواعظ والعبر والتوحيد، ليقرر أمر الحكم وينصر النفوس على القيام به ( ثم قال ما معناه بتصرف ) : قد قلنا مرارا أن أمر الإنفاق في سبيل الله أشق الأمور على النفوس، لاسيما إذا اتسعت دائرة المنفعة فيما ينفق فيه، وبعدت نسبة من ينفق عليه عن المنفق، فإن كل إنسان يسهل عليه الإنفاق على نفسه وأهله وولده إلا أفراد من أهل الشح المطاع وهذا النوع من الإنفاق لا يوصف صاحبه بالسخاء ومن كان له نصيب من السخاء سهل عليه الإنفاق بقدر هذا النصيب فمن كان له أدنى نصيب فإنه يرتاح إلى الإنفاق على ذوي القربى والجيران. فإذا زاد أنفق على أهل بلده فأمته فالناس كلهم وذلك منتهى الجود والسخاء. وإنما يصعب على المرء الإنفاق على منفعة من يبعد عنه، لأنه فطر على أن لا يعمل عملا لا يتصور لنفسه فائدة منه وأكثر النفوس جاهلة باتصال منافعها ومصالحها بالبعداء عنها فلا تشعر بأن الإنفاق في وجوه البر العامة كإزالة الجهل بنشر العلم ومساعدة العجزة والضعفاء وترقية الصناعات وإنشاء المستشفيات والملاجئ وخدمة الدين المهذب للنفوس هو الذي تقوم به المصالح العامة حتى تكون كلها سعيدة عزيزة فعلمهم الله تعالى أن ما ينفقونه في المصالح يضاعف لهم أضعافا كثيرة فهو مفيد لم في آخرتهم أيضا.
فذكر أولا أن الإنفاق في سبيل الله بمنزلة إقراضه تعالى ووعد بمضاعفته أضعافا كثيرة ثم ضرب الأمثال وذكر قصص الذين بذلوا أموالهم وأرواحهم في سبيله ثم ذكر البعث وإحياء الموتى وانتهاءهم إلى الدار التي يوفون فيها أجورهم في يوم لا تنفع فيه فدية ولا خلة ولا شفاعة وإنما تنفعهم أعمالهم التي أهمها الإنفاق في سبيله ثم ضرب المثل للمضاعفة. أي بعد أن قرر أمر البعث بالدلائل والأمثال. إذ كان الإيمان به أقوى البواعث على بذل المال.
ثم قال تعالى : قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعا أذى قالوا أي كلام جميل تقبله القلوب ولا تنكره، يرد به السائل من غير عطاء وستر لما وقع منه من الإلحاف(١) في المسألة وغيره مما يثقل على النفوس أو ستر حال الفقير بعدم التشهير به خير له من صدقة يتبعها أذى. وقيل إن المراد بالمغفرة المغفرة من الله تعالى لمن يرد السائل ردا جميلا وذلك خير له عند الله تعالى من صدقة يتبعها أذى فهو يستحق عليها العقاب من حيث يرجو الثواب. والجملة مستأنفة لتأكيد النهي عن المن والأذى في الآية السابقة.
وقال الأستاذ الإمام : القول بالمعروف يتوجه تارة إلى السائل إن كانت الصدقة عليه، وتارة يتوجه إلى المصلحة العامة، كما إذا هاجم البلد عدو وأرادوا جمع المال للاستعانة على دفعه فمن لم يكن له مال يمكنه أن يساعد بالقول المعروف الذي يحث على العمل وينشط العامل، ويبعث عزيمة الباذل، والمغفرة أن تغضي عن نسبة التقصير في الإنفاق إليك وان تظهر في هيأة لا ينفر منها المحتاج ولا يتألم من فقره أمامك. والمعنى أن مقابلة المحتاج بكلام يسر وهيأة ترضي خير من الصدقة مع الإيذاء بسوء القول أو سوء المقابلة، ولا فرق في المحتاج بين أن يكون فردا أو جماعة فإن مساعدة الأمة ببعض المال مع سوء القول في العمل الذي ساعدها عليه وإظهار استهجانه وبيان التقصير فيه أو تشكي الناس في فائدته لا توازي هذه المساعدة : إحسان القول في ذلك العمل الذي تطلب له المساعدة والإغضاء عن التقصير الذي ربما يكون من العاملين فيه. فكونك مع الأمة بقلبك ولسانك خير من شيء من المال ترضخ به مع قول السوء وفعل الأذى. ومعنى هذه الخيرية أنه أنفع وأكثر فائدة لا أنه يقوم مقام البذل ويغني عنه. فمن آذى فقد بغض نفسه إلى الناس بظهوره في مظهر البغضاء لهم ولا شك أن السلم والولاء، خير من العداوة والبغضاء، وان اضمن شيء لمصلحة الأمة وأقوى معزز لها هو أن يكون كل واحد من أفرادها في عين الآخر وقلبه في مقام المعين له وإن لم يعنه بالفعل.
وأقول : إن هذا الآية مقررة لقاعدة : درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، التي هي من أعظم قواعد الشريعة، ومبينة أن الخير لا يكون طريقا ووسيلة إلى الشر.
ومرشدة إلى وجوب العناية بجعل العمل الصالح خاليا من الشوائب التي تفسده وتذهب بفائدته كلها أو بعضها، وإلى أنه ينبغي لمن عجز عن إحسان عمل من أعمال البر وجعله خالصا نقيا أن يجتهد في إحسان عمل آخر يؤدي إلى غايته حتى لا يحرم من فائدته بالمرة، كمن شق عليه أن يتصدق ولا يمن ولا يؤدي فحث على الصدفة أو جبر قلب الفقير بقول المعروف. ومن البديهي أن أعمال البر والخير لا يغني بعضها عن بعض، فكيف يغني ترك الشر واتقاء المفاسد عن عمل الخير والقيام بالمصالح.
والله غني بذاته وبما له من ملك السماوات والأرض عن صدقة عباده، فلا يأمر الأغنياء بالبذل في سبيله لحاجة به، وإنما يريد أن يطهرهم ويزكيهم ويؤلف بين قلوبهم ويصلح شؤونهم الاجتماعية، ليكونوا أعزاء، بعضهم لبعض أولياء. والمن والأذى ينافيان ذلك. فهو غني عن قبول صدقة يتبعها أذى لأنه لا يقبل إلا الطيبات حليم لا يعجل بعقوبة من يمن ويؤذي. قال الأستاذ الإمام : يطلق الحلم ويراد به هذا اللازم من لوازمه، أي الإمهال وعدم المعالجة بالمؤاخذة. وقد يراد به لازم آخر وهو الإغضاء والعفو وليس بمراد، لأنه لو أريد لكان تحريضا على الأذى ولكل مقال مقام بعينه. فالأول يطلق في مقابل العجول الطائش والثاني في مقابل الغضوب المنتقم. وفي الاسمين الكريمين تنفيس لكرب الفقراء وتعزية لهم وتعليق لقلوبهم بحبل الرجاء بالله الغني المغني، وتهديد للأغنياء وإنذار لهم أن يغتروا بحلم الله وإمهاله إياهم وعدم معالجتهم بالعقاب على كفرهم بنعمته عليهم بالمال فإنه يوشك أن يسلبها منهم في يوم من الأيام.
ثم إنه لما كانت النفوس المولعة بذكر ما يصدر عنها من الإحسان للتمدح والفخر، وكان ذلك مطية الرياء، وطريق المن والإيذاء ّ لاسيما إذا آنس المصدق تقصيرا في شكره على صدقته أو احتقارا لها، فإنه لا يكاد يملك حينئذ نفسه ويكفها عن المن أو الأذى كما تقدم عن الأستاذ الإمام كان من الهدى القويم ومقتضى البلاغة أن تؤتى في النهي عن المن والأذى والرياء بعبارات مختلفة لأجل التأثير في التنفير عن ذلك والحمل على تركه ولذلك قال :

١ ألحف عليه: ألح، وألحف به: أضر.
.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير