ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ

قال بشار:
ليْس يعُطيك للرَّجاءٍِ وَالخوْ...
فِ ولكنْ يلذُّ طعْم العطاءِ
والبخيل يتألم بما يعطي غيره، فضلاً عما يعطيه هو، ولهذا قيل أن " الحر يعطي واللئيم يألم إسته ".
وقوله: أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ضمن ضمان يلي، وفي يؤمن إخلافه وإفلاسه، وقوله: وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ليس يراد به الخوف في الآخرة فقط، بل يريد مع ذلك الخوف الذي ابتلى به أبناء الدنيا الذين ينفقون بما في أيديهم دون ما في يد الله - عز وجل -، ويجوز أن يكون قوله: وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من: " خفت على فلان " أي أشفقت عليه أي: لا إشفاق عليهم لما هم فيه من النعيم وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، فعلى هذا قوله أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إلى أخر الآية، ذكر مالهم من الثواب ويجوز أن تكون الآية كلها وصفاً للإنفاق في سبيل الله وبيان ذلك أن حق المنفق في سبيل الله أن تطيب به نفسه، وأن لا تتعقبه بالمن وأن لا تشفق من فقر تناله من بعد، بل تثق بكفاية الله - عز وجل -، ولا يحزنون إن يناله فقر، وبين تعالى أن ما تقدم ذكره من مجازاة واحد بسبع مائة هو لن هذا وصفه..
قوله - عز وجل:
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ الآية: (٢٦٣) - سورة البقرة...
الغنى: فقد الحاجة، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس واختلاف نظرهم فمنهم من يرى الغنى كثرة عرض الدنيا، حصلت معه الحاجة أو لم تحصل ومنهم من عده القناعة وإليه يوجه قوله عليه الصلاة والسلام: " الغنى غنى النفس " ومنهم من لا يعده إلا ارتفاع الحاجة وقال: " لا غنى

صفحة رقم 552

في الحقيقة في الدنيا يوجه ولأجله " قيل: الغنى غنى الآخرة ومنهم من قال: " لا غنى في الحقيقة لغير الله -عز وجل - لا في الدنيا ولا في الآخرة وعلى هذا " قال تعالى: وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ والمعنى المنزل كأنه موضع غنى الناس، ولكون الغنى مقيما فيه على مراده وعلى هذا قال الشاعر:
يقيم الرجال الأغنياء بأرضهم...
ويرمي النوى بالمقترين المراميا..
وأما الغناء فللتشبيه على نحو نظر من قال " الغناء غذاء الأرواح، كما أن الطعام غذاء الأشباح، وقال ببعضهم: " من مدح الغناء إنما مد الغناء وقصر الغنى تفضيلاً للمدود "، فقد حصل له منفعة ليست في شيء من اللذات، وذاك أن اللذات الحسنة أربع، أكل، وشرب، ونكاح، وغناء..
، وكل يوصل إليه بتعب إلا الغناء، واختلف في قوله: مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ.
فمنهم من قال: خطاب للمسئول ومعناه: لأن تبذل للسائل قولاً حسناً، وتغفر له أن ذاك بمراجعة وإلحاف خير من أن تعطيه وتمتن عليها، كقول الشاعر:
ومنعك للندى بجميل قول
أحبُّ إلي من بذل ومنة
وقيل: معنى المغفرة الترك، أي الاقتصار على القول الحسن، وترك الصدقة خير من صدقة هكذا، وقيل معناه: وإن تسأل الله الغفران لتقصيرك في إعطائه، وقيل: معناه ستر الخلة عليه، وقيل: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وسلامة من المعصية خير من المعصية خير من صدفة هكذا، فإن هذه الصدقة فيها

صفحة رقم 553

عصيان النص، ونحو قوله: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ قوله: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا، وقوله: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ، وقيل: القول المعروف أن تحث غيرك على إعطائه، وقيل: ذلك خطاب للسائل وحث له على إجمال الطلب، كما قال عمر بن عبد العزيز: " لن تدعوا لمرء ما قسم له، وفأجملوا في الطلب "، فأراد تعالي لأن يقول قولاً حسناً من تعريض بالسؤال أو إظهار للغنى، حيث لا ضرورة، ويكتسب خليط من مثال صدقة يتبعها أذى، كما قال الشاعر:
لأن أرجي عند العرى بالخلق.... وأجتزى من كثير الزاد بالعلق
خير وأكرم لي من أن ترى نعم.... معقودة للئام الناس في عنقي..
وقيل: معناه: لأن تنال أيها السائل قولاً معروفا من المسئول ومغفرة من الله خير من صدقة هكذا..
ومنهم من قال: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ خطاب للمسئول، أي: " لتقل قولا حسنا في رده، ومغفرة خطاب للسائل " أي: اغتفر رده لك ولا تثقلن قلبك عليه، ونبه بقوله: وَاللَّهُ غَنِيٌّ أن استقراضه ليس بحاجة به، بل لحاجة المقرض إلى الثواب، وبقوله " حليم "، أنه ليس يجب أن يغتر المذنب بتأخير العقوبة عمن قصر في الإنفاق أو في المنة على السؤال أو في سؤاله وليس بأهله..

صفحة رقم 554

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية