ﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

)يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ) ( البقرة : ٢٦٩ )
التفسير :
قوله تعالى : يؤتي الحكمة من يشاء ؛ يؤتي بمعنى يعطي ؛ وهي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ، والخبر ؛ فالمفعول الأول هنا : الحكمة ؛ والمفعول الثاني : مَن في قوله تعالى : من يشاء ؛ والمعنى : أن الله يعطي الحكمة من يشاء ؛ و الحكمة مِن أحكم بمعنى أتقن ؛ وهي وضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها، وتستلزم علماً، ورشداً، فالجاهل لا تأتي منه الحكمة إلا مصادفة ؛ والسفيه لا تأتي منه الحكمة إلا مصادفة.
قوله تعالى : ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ، أي من يعطه الله سبحانه وتعالى الحكمة فقد أعطاه خيراً كثيراً.
فإن قال قائل : ما وجه اختلاف التعبير بين قوله تعالى : يؤتي الحكمة من يشاء ، وقوله تعالى : ومن يؤت الحكمة ؟
فالجواب :- والله أعلم - أن الحكمة قد تكون غريزة ؛ وقد تكون مكتسبة ؛ بمعنى أن الإنسان قد يحصل له مع المران ومخالطة الناس من الحكمة وحسن التصرف ما لا يحصل له لو كان منعزلاً عن الناس ؛ ولهذا أتى بالفعل المضارع المبني للمفعول ليعم كل طرق الحكمة التي تأتي - سواء أوتي الحكمة من قبل الله عز وجل، أو من قِبل الممارسة والتجارب ؛ على أن ما يحصل من الحكمة بالممارسة والتجارب فهو من الله عز وجل ؛ هو الذي قيض لك من يفتح لك أبواب الحكمة، وأبواب الخير.
قوله تعالى : وما يذكر إلا أولو الألباب ، أي ما يتعظ بآيات الله إلا أصحاب العقول الذين يتصرفون تصرفاً رشيداً.
الفوائد :
١ - من فوائد الآية : إثبات أفعال الله المتعلقة بمشيئته ؛ لقوله تعالى : يؤتي الحكمة ؛ وهذه من الصفات الفعلية.
٢ - ومنها : أن ما في الإنسان من العلم والرشد فهو فضل من الله عز وجل ؛ لقوله تعالى : يؤتي الحكمة من يشاء ؛ فإذا منّ الله سبحانه وتعالى على العبد بعلم، ورشد، وقوة، وقدرة، وسمع، وبصر فلا يترفع ؛ لأن هذه الصفات من الله عز وجل ؛ ولو شاء الله لحرمه إياها، أو لسلبه إياها بعد أن أعطاه إياها ؛ فقد يسلب الله العلم من الإنسان بعد أن أعطاه إياه ؛ وربما يسلب منه الحكمة ؛ فتكون كل تصرفاته طيشاً، وضلالاً، وهدراً.
٣ - ومنها : إثبات المشيئة لله سبحانه وتعالى ؛ لقوله تعالى : من يشاء ؛ واعلم أن كل شيء علقه الله سبحانه وتعالى بمشيئته فإنه تابع لحكمته البالغة ؛ وليس لمجرد المشيئة ؛ لكن قد نعلم الحكمة ؛ وقد لا نعلمها ؛ قال الله تعالى : وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً [ الإنسان : ٣٠ ].
٤ - ومنها : إثبات الحكمة لله عز وجل ؛ لأن الحكمة كمال ؛ ومعطي الكمال أولى به ؛ فنأخذ من الآية إثبات الحكمة لله بهذا الطريق.
٥ - ومنها : الفخر العظيم لمن آتاه الله الحكمة ؛ لقوله تعالى : ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً .
٦ - ومنها : وجوب الشكر على من آتاه الله الحكمة ؛ لأن هذا الخير الكثير يستوجب الشكر.
٧ - ومنها : أن بلوغ الحكمة متعدد الطرق ؛ فقد يكون غريزياً جبل الله العبد عليه ؛ وقد يكون كسبياً يحصل بالمران، ومصاحبة الحكماء.
٨ - ومنها : منّة الله سبحانه وتعالى على من يشاء من عباده بإيتائه الحكمة ؛ لقوله تعالى : ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً .
٩ - ومنها : فضيلة العقل ؛ لقوله تعالى : وما يذكر إلا أولو الألباب ؛ لأن التذكر بلا شك يحمد عليه الإنسان ؛ فإذا كان لا يقع إلا من صاحب العقل دل ذلك على فضيلة العقل ؛ والعقل ليس هو الذكاء لأن العقل نتيجته حسن التصرف - وإن لم يكن الإنسان ذكياً ؛ والذكاء ؛ قوة الفطنة - وإن لم يكن الإنسان عاقلاً ؛ ولهذا نقول : ليس كل ذكي عاقلاً، ولا كل عاقل ذكياً ؛ لكن قد يجتمعان ؛ وقد يرتفعان ؛ وهناك عقل يسمى عقل إدراك ؛ وهو الذي يتعلق به التكليف، وهذا لا يلحقه مدح، ولا ذم ؛ لأنه ليس من كسب الإنسان.
١٠ - ومن فوائد الآية : أن عدم التذكر نقص في العقل - أي عقل الرشد ؛ لقوله تعالى : وما يذَّكر إلا أولو الألباب ؛ فإن الحكم إذا علق بوصف ازداد قوة بقوة ذلك الوصف، ونقص بنقص ذلك الوصف.
١١ - ومنها : أنه لا يتعظ بالمواعظ الكونية أو الشرعية إلا أصحاب العقول الذين يتدبرون ما حصل من الآيات سابقاً، ولاحقاً ؛ فيعتبرون بها ؛ وأما الغافل فلا تنفعه.

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير