وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [ ٢٧٨ ] : وقال عليه السلام في خطبة الوداع :" كل ربا موضوع، ولكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، قضى الله أن لا ربا، وإن العباس بن عبد المطلب موضوع، وإن كل دم كان في الجاهلية فإنه موضوع، وأول دمائكم أضع دم ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل(١) ".
وإن كان الربا ينقسم أقساماً، فالذي في القرآن يدل على تحريم الزيادة، من غير نظر في جنس المال وما يقابله، ولا دلالة فيه على تحريم النساء من غير زيادة في نفس المال، لأن ذلك لا يعد زيادة في النسىء، ولا يقال : أكل الربا، من أجل ذلك جوز بعض العلماء - وهو مالك - الأجل في القرض، إلا أنا منعنا من ذلك، لا من جهة الآية، بل من جهة أخرى.
والذي كان في الجاهلية كان القرض بزيادة، وما كانوا يؤجلون إلا بزيادة في نفس النسيء.
ونقل عن الشافعي، أن لفظ الربا لما كان غير معلوم، أورث احتمالا في البيع، والصحيح أن الربا غير مجمل، ولا البيع كما ذكرناه، فإن ما لا زيادة فيه، جاز على عموم حكم البيع.
نعم خص من الربا زيادة أبيحت، وخص من البيع بياعات نهى عنها، وعموم اللفظ معتبر فيما سوى المخصوص.
ورد الله تعالى على المشركين في قولهم : ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَالُوا إنمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [ ٢٧٥ ] : وذلك أنهم زعموا أنه لا فرق بين الزيادة المأخوذة على وجه الربا، وبين الأرباح المكتسبة بضروب البياعات، من حيث غاب عنهم وجه المصلحة، وتحريم الزيادة على وجه دون وجه، فأبان الله تعالى أنه عز وجل إذا حرم الربا وأحل البيع، فلا بد أن يشتمل المنهى عنه على مفسدة، والمباح على مصلحة، وإن غابتا عن مرأى نظر العباد، فعلى هذا كل ما وجد فيه حد البيع(٢)، فيجوز أن يحتج فيه بعموم البيع.
وأما قوله تعالى : فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ سَلَفَ [ ٢٧٥ ]. يدل على أن ما سلف من المقبوض قبل نزول تحريم الربا، لا يتعقب بالفسخ، ويدل على أنه أراد غير المقبوض.
قوله تعالى : وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [ ٢٧٨ ] : ظاهره أنه أبطل من الربا ما لم يكن مقبوضاً، وإن كان معقوداً عليه قبل نزول آية التحريم، ولا يتعقب بالفسخ ما كان مقبوضاً.
٢ - والبيع في اللغة مصدر باع كذا بكذا أي دفع عوضا وأخذ معوضا، وهو يقتضي بائعا وهو المالك أو من ينزل منزلته، ومبتاعا وهو الذي يبذل الثمن، ومبيعا وهو المثمون الذي يبذل في مقابلته الثمن، والثمن(قرطبي)..
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي