ﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉ

فتلقى آدم من ربه كلمات
تفسير المفردات :
وتلقى الكلمات : هو أخذها بالقبول والعمل بها حين علمها.
المعنى الجملي
علمت مما سلف أن الحكمة الإلهية اقتضت إيجاد النوع الإنساني في الأرض واستخلافه فيها، وأن الملائكة فهموا أنه يفسد نظامها ويسفك الدماء، فأعلمهم المولى بأن علمهم لا يرقى إلى الإحاطة بمعرفة حكمته، وأن الله أوجد آدم وفضله بتعليم الأسماء كلها، وأنه تعالى أخضع له الملائكة إلا إبليس فقد أبى واستكبر عن السجود، لما في طبيعته من الاستعداد للعصيان، وهنا ذكر أنه تعالى أمر آدم وزوجه بسكنى الجنة والتمتع بما فيها ونهاهما أن يأكلا من شجرة معينة، وأعلمهما أن القرب منها ظلم لأنفسهما وأن الشيطان أزلهما عنها فأخرجهما من ذلك النعيم، وأن آدم أناب إلى الله من معصيته فقبل توبته، وقد سيقت هذه القصة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما يلاقي من الإنكار، ليعلم أن المعصية من شأن البشر، فالضعف غريزة فيهم ينتهي إلى أول سلف منهم وهو أبوهم آدم عليه السلام، فقد تغلبت عليه الوساوس، فلا تأس أيها الرسول الكريم على القوم الكافرين، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات
الإيضاح :
أي إن الله تعالى ألهمه كلمات فعمل بها فأناب إليه. وهي كما روي عن ابن عباس : ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وروي عن ابن مسعود أنها : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله إلا أنت، ظلمت نفسي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
فتاب عليه التوب الرجوع، فإذا وصف به العبد كان رجوعا عن المعصية إلى الطاعة، وإذا وصف به الباري تعالى أريد به الرجوع عن العقوبة إلى المغفرة.
ولا تكون التوبة مقبولة من العبد إلا بالندم على ما كان، وبترك الذنب الآن، وبالعزم على ألا يعود إليه في مستأنف الزمان، وبرد مظالم العباد، وبإرضاء الخصم بإيصال حقه إليه والاعتذار له باللسان.
والخلاصة – إنه تعالى قبل توبته وعاد إليه بفضله ورحمته.
إنه هو التواب الرحيم التواب هو الذي يقبل التوبة عن عباده كثيرا، فمهما اقترف العبد من الذنوب وندم على ما فرط منه وتاب الله عليه، والرحيم هو الذي يحف عباده برحمته إذا هم أساءوا ورجعوا إليه تائبين.
وقد جمع بين الوصفين التواب الرحيم للإشارة إلى عدة الله تعالى للعبد التائب بالإحسان إليه مع العفو عنه والمغفرة له.
وهاهنا مسائل ثلاث أطال المفسرون الكلام فيها، ونحن نوجز القول فيها.
ما أوردوه في هبوط آدم وحواء من الجنة ووصف ذلك، وقد نقلوا أكثره من الإسرائيليات التي لا يصح شيء منها عند النقدة من أهل العلم ورجال الدين.
خلق حواء من ضلع آدم أخذا بظاهر قوله تعالى : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وقوله : هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها ومن حديث أبي هريرة في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم :( واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع أعوج ) ومما ورد في سفر التكوين في التوراة مبينا خلق آدم وحواء.
وجوابنا عن ذلك :
أن كثيرا من المفسرين قالوا عن المراد في الآيتين بقوله " منها " أي من جنسها ليوافق في قوله في سورة الروم : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إذ المراد دون شك أنه خلق أزواجا من جنسكم، لا أنه خلق كل زوجة من بدن زوجها.
أن الحديث قد جاء على طريق تمثيل حال المرأة واعوجاج أخلاقها، باعوجاج الضلوع، ويؤيد هذا قوله آخر الحديث :( وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا ) فهو على حد قوله تعالى : خلق الإنسان من عجل .
عصيان آدم ثم توبته، مع أن الأنبياء معصومون من ارتكاب الذنوب، ولنا في الجواب عن هذه المسألة ثلاث طرق :
أن المخالفة التي صدرت كانت قبل النبوة، والعصمة إنما تكون عن مخالفة الأوامر بعدها.
أن الذي وقع منه كان نسيانا، فسمي عصيانا تعظيما لأمره، والنسيان والسهو لا ينافيان العصمة.
أن ذلك من المتشابه كسائر ما جاء في القصة، مما لا يمكن حمله على ظاهره، ويجب تفويض أمره إلى الله كما هو رأي سلف الأمة، أو هو من باب التمثيل كما هو رأي الخلف.
وقد أجاد الأستاذ الإمام محمد عبده بيانه قال :
إن إخبار الله تعالى الملائكة بجعل الإنسان خليفة في الأرض هو عبارة عن تهيئة الأرض وقوى هذا العالم وأرواحه التي بها قوامه ونظامه لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها ويكون به كمال الوجود في هذه الأرض، وسؤال الملائكة عن جعل خليفة يفسد في الأرض لأنه باختياره ويعطى استعدادا في العلم والعمل لا حد لهما، تصوير لما في استعداد الإنسان لذلك، وتمهيد لبيان أنه لا ينافي خلافته في الأرض، وتعليم آدم الأسماء كلها بيان لاستعداد الإنسان لعلم كل شيء في الأرض وانتفاعه به في استعمارها، وعرض الأسماء على الملائكة وسؤالهم عنها وتنصلهم في الجواب، تصوير لكون الشعور الذي يصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدودا لا يتعدى وظيفته، وسجود الملائكة لآدم عبارة عن تسخير هذه الأرواح والقوى له ينتفع بها في ترقية الكون بمعرفة سنن الله تعالى في ذلك، وإباء إبليس واستكباره عن السجود تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر وإبطال داعية خواطر السوء التي هي مثار التنازع والتخاصم والتعدي والإفساد في الأرض، ولولا ذلك لجاء على الإنسان زمن يكون أفراده فيه كالملائكة، بل أعظم أو يخرجون عن كونهم من هذا النوع البشري، ويراد بالجنة الراحة والنعيم، فإن من شأن الإنسان أن يجد في الجنة التي هي الحديقة ما يلذ له من مأكول ومشروب، ومشموم ومسموع، في ظل ظليل، وهواء عليل، وماء سلسبيل، ويراد بآدم نوع الإنسان كما يطلق اسم أبي القبيلة الأكبر على القبيلة فيقال : كلب فعلت كذا ويراد قبيلة كلب، ويراد بالشجرة معنى الشر والمخالفة كما عبر الله تعالى في مقام التمثيل عن الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، وفسرت بكلمة التوحيد، وعن الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة وفسرت بكلمة الكفر.
والمعنى على هذا – إن الله تعالى كون النوع البشري في أطوار ثلاثة :
طور الطفولة وهو طور لا هم فيه ولا كدر، بل هو لهو ولعب كأنه في جنة ملتفة الأشجار يانعة الثمار.
طور التمييز الناقص، وفيه يكون الإنسان عرضة لإتباع الهوى بوسوسة الشيطان.
طور الرشد، وهو الذي يعتبر فيه المرء بنتائج الحوادث، ويلتجئ فيه حين الشدة إلى القوة الغيبية العليا التي منها كل شيء وإليها يرجع الأمر كله.
والإنسان في أفراده مثال للإنسان في مجموعه، فقد كان الإنسان في ابتداء حياته الاجتماعية ابتداء ساذجا سليم الفطرة، مقتصرا في طلب حاجاته على القصد والعدل متعاونا على دفع ما عساه يصيبه من مزعجات الكون، وهذا هو العصر الذي يذكره جميع طوائف البشر ويسمونه بالعصر الذهبي.
ولكن لم يكفه هذا النعيم العظيم، فمد بعض أفراده أيديهم إلى تناول ما ليس لهم طاعة للشهوة وميلا مع خيال اللذة، وتنبه من ذلك ما كان نائما في نفوس سائرهم، فثار النزاع وعظم الخلاف، وهذا هو الطور الثاني المعروف في تاريخ الأمم.
ثم جاء الطور الثالث وهو طور العقل والتدبر، ووزن الخير والشر بميزان النظر الرغبات، وهو طور التوبة والهداية إن شاء الله.
وبقي طور آخر أعلى من هذه الأطوار، وهو منتهى الكمال، وهو طور الدين الإلهي والوحي السماوي الذي به كمال الهداية الإنسانية. انتهى كلامه ملخصا.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير