ﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉ

قوله - عز وجل -:
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ الآية: (٣٧) سورة البقرة.
التلقي كالتلقن، إلا أن التلقي يقتضي استقبال الكلام وتصوره، والتلقن يقتضي الحذق في تناوله، والتلقف يقاربه، لكن يقتضي الاحتيال في التناول، الكلم: التأثير المدرك بإحدى الحاستين السمع والبصر، فالكلام مدرك بحاسة السمع فكلمته: جرحته جراحة بأن أثرها ولاجتماعهما في ذلك قال الشاعر:
والكلم الأصيل كأرغب الكلم
وقال:
وجرح اللسان كجرح اليد.
والكلمات التي تلقاها آدم من ربه قيل: هي قوله: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ وقال الحسن: هو قوله: " ألم تخلقني بيدك؟ ألم تسكنني جنتك؟ ألم تسجد لي ملائكتك؟ ألم تسبق رحمتك غضبك؟ فقال تعالى له: بلى، قال: أرايت إن تبت تبت علي وأعدتني

صفحة رقم 160

إلى الجنة؟ قال: نعم، فهذا يعني قوله: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ وقيل: إنه قال تعالى له: من أذنب ذنبا ثم تاب قبلت منه، وهذا يقارب الأول، وقيل: (إنها قبول الأمانة المعروضة على السماوات والأرض المذكور في قوله: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا الآية، وقيل: هو حروف التهجي وما تركب منها من الأسماء التي كانت قد علمها وما انتتج منها من العلوم الحقيقة والأعمال الفاضلة، فإن أصل الإيمان العلوم الصادقة والأعمال الصالحة، فمن الحروف تتركب مفردات الألفاظ، نحو: زيد، عمرو، وذهب، خرج، من، عن ومن المفردات تركب المقدمات المفردة، نحوك زيد خارج وعمرو ذاهب ومن المقدمات تتركب الأدلة والأخبار المؤلفة، ومن الأدلة المفردة الصادقة يتوصل إلى حقائق العلوم وبحقائق العلوم يتوصل إلى الأعمال الصالحة، وبمجموعها يحصل الإيمان الذي يتحققه، ويصير الإنسان تام التوبة متطهراً من النقيصة، محبوباً لرب العزة، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ والمتحقق بذلك لا محالة يتوب الله عليه، وقيل: إن هذه الكلمات هي التي ذكرها الله تعالى في قصة إبراهيم - عليه السلام - قال تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ وهي خصال مذكورة في ثلاثة مواضع من القرآن..
أحدها في سورة التوبة: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ والثاني في قوله: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ والآيات إلى قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

صفحة رقم 161

والثالث: في سورة " سأل سائل " وهو قوله: إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ الآيات إلى قوله أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ فهذه الخصال الثلاث فرق من الناس العلماء والحكماء والكبراء المعنيين بقول النبي - ﷺ - سائل العلماء وخالط الحكماء وجالس الكبراء ولكل فرقة مقامات معدودة يترتب بعضها على بعض، وهذه مسألة كثيرة قد أحكمتها في كتاب (شرف التصرف) وبينت تخصيص كل مقام وهذا القول والذي تقدمه يتقاربان عند الحقيقة، غير أن الأول نظر إلى المبدأ والثاني إلى الغاية، وذلك مذكور هناك، ثم التوبة: ترك الذنب على أحد الوجوه، وهو ضرب من الاعتذار فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه إما أن يقول المعتذر: لم أفعل كذا، ويقول: فعلت لأجل كذا، أو يقول: فعلت وأسأت وقد أقلعت، ولا رابع لذلك وهذا الأخير هو التوبة، فإذا: التوبة ضرب من الاعتذار.
والتوبة والأوبة والاستغفار متقاربة وبحسب ما اختلفت فيها الاعتبارات اختلفت عليها العبارات، (الإنابة) الرجوع عن طريق الضلال إلى الهدى، والأوبة: رجوع القلب إلى الحق والوقوف عليه، والاستغفار: طلب الغفران قولانً وفعلاً، أي: تعاطي ما يغفر ما تقدم من الذنب، والتوبة التامة المعتد بها: ترك الذنب، والندم عليه، وهو العزم على أن لا يعود إليه، وتدارك ما تقدم وهو رد المظالم " مظلمة الخلق، ومظلمة الخالق " ومظلمة الخالق: هي إعادة ما ترك من العبادات وإذابة ما استفاد جسمه من الحرمات، ألا ترى إلى قوله [عليه السلام] " كل لحم نبت من سحت النار أولى به " والتواب: يقال في العبد، وفي الرب، لكن العبد تائب إلى الله - عز وجل - والله تائب على عبده، وقوله: إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ جمع بين الوصفين - تنبيهاً على أنه مع ترك ذنبه، عليه لا يخليه من

صفحة رقم 162

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية