لما وعد الله من اتبع الهدى بالأَمْنِ من العَذَاب والحزن عقبه بذكر كمن أعدّ له العَذَاب مثال الذين كفروا. و «الذين» مبتدأ وما بعدها صلة وعائد، و «بآياتنا» متعلّق
صفحة رقم 585
ب «كذبوا»، ويجوز أن تكون أن تكون الآية من باب الأعمال؛ لأن «كفروا» يطلبها، ويكون من إعمال الثَّاني للحذف من الأوّل، والتَّقدير: والذين كفروا بنا وكذّبوا بآياتنا.
و «أولئك» مبتدأ ثان، و «أصحاب» خبره، والجملة خبر الأول، ويجوز أن يكون «أولئك» بدلاً من الموصول، أو عطف بيان له، و «أصحاب» خبر المبتدأ الموصول. وقوله: «هم فيها خالدون» جملة اسمية في محلّ نصب على الحال للتَّصريح بذلك في مواضع قال تعالى: «أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدينَ».
وأجاز «أبو البقاء» : أن تكون حالاً من «النار» قال: لأن فيها ضميراً يعود عليها، ويكون العامل فيها معنى الإضافة، أو اللاَّم المقدرة.
وقد عرف ما في ذلك، ويجوز أن تكون في محل رفع خبر ل «أولئك» أيضاً، فيكون قد أخبر عنه بخبرين:
أحدهما: مفرد وهو «أصحاب».
والثاني: جملة، وقد عرف ما فيه من الخلاف.
و «فيها» متعلّق ب «خالدون» قالوا: وقد حذف من الكلام الأوّل ما أثبت في الثاني، ومن الثاني ما أثبت في الأول، والتقدير: فمن تبع هُدَاي فلا خوف ولا حُزْن يلحقه، وهو صاحب الجَنَّة، ومن كفر وكذب لحقه الخَوْفُ والحزن، وهو صاحب النار؛ لأنّ التقسيم يقتضي ذلك، ونظروه بقول الشَّاعر: [الطويل]
| ٤٢١ - وَإِنِّي لتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ | كَمَا انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ |
| ٤٢٢ - تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا | لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا للعَامُ سَابِعُ |
سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنها تجمع حروفاً من القرآن، فيكون من قولهم، «خَرَجَ بنُو فلاَنٍ بآيتِهِمْ» أي: بجماعتهم؛ قال: [الطويل]
| ٤٢٣ - خَرَجْنَا مَنَ النَّقْبَيْنِ لاَ حَيَّ مِثْلُنَا | بِآيَاتِنَا نُزْجِي اللِّقَاحَ المَطَافِلاَ |
ومذهب «الكِسَائِيّ» أن أصلها: «آيِيَة» على وزن «فَاعِلَة»، فكان القياس أن يدغم فيقال: آية ك «دابّة»، إلاّ أنه ترك ذلك تخفيفاً، فحذوفوا عينها، كما خففوا «كَيْنُونة» والأصل: «كيّنونة» بتشديد الياء، وضعفوا هذا بأن «كيّنونة» أثقل فَنَاسب التَّخفيف بخلاف هذه.
ومذهب «الفَرَّاء» أنها فَعْلَة «بسكون العين، واختاره أبو» البَقَاء «قال: لأنها من تايَّا القوم، إذا اجتمعوا، وقالوا في الجمع: آياء، فظهرت الياء الأولى، والهمزة الأخير بدل من ياء، ووزنه» أفعال «والألف الثانية بدل من همزة هي فاء الكلمة، ولو كانت عينها» واو «لقالوا في الجمع:» آواء «ثم إنهم قلبوا» الياء «الساكنة» ألفاً «على غير قياس.
يعني: أن حرف العلّة لا يقلب حتى يتحرّك وينفتح ما قبله.
وذهب بعض الكوفيين إلى أن وزنها» آيِيَة «بكسر العَيْنِ مثل» نَبِقَة «فَأُعِلّ، وهو في الشّذوذ كمذهب» سيبويه والخَليل «.
وقيل: وزنها» فَعُلَة «بضم العَيْن، وقيل: أصلها: أَيَاة» بإعلال الثاني، فقلبت: بأن قدمت الازم، وأخرت العين، وهو ضعيف. فهذه ستة مذاهب لا يسلم واحد منها من شذوذ.
فصل في معنى «الصحبة»
الصّحبة: الاقتران بالشيء في حالة ما، في زمان ما، فإن كانت الملازمة والخُلْطة فهي كمال الصُّحبة. صفحة رقم 587
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود