ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ

ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون
تفسير المفردات :
اللبس بالفتح : الخلط.
المعنى الجملي
بدأ سبحانه هذه السورة بذكر الكتاب وأنه لا ريب فيه، ثم ثنى بذكر اختلاف الناس فيه : من مؤمن به، وكافر بهديه، ومنافق مذبذب بين ذلك، ثم طالب الناس بعبادته، ثم أقام الدليل على أن الكتاب منزل من عند الله على عبده محمد صلى الله عليه وسلم، وتحدى المرتابين بما أعجزهم وحذرهم وأنذرهم، ثم حاج الكافرين وجاءهم بأوضح البراهين، وهو إحياؤهم مرتين وإماتتهم مرتين، ثم ذكر خلق السماوات والأرض لمنافعهم وخلق الإنسان في أطواره المختلفة، وهنا خاطب الشعوب والأمم التي ظهرت بينها النبوة، فبدأ بذكر اليهود لأنهم أقدم الشعوب الحاملة للكتب السماوية، ولأنهم كانوا أشد الناس ضغنا للمؤمنين، ولأن دخولهم في الإسلام حجة قوية على النصارى وغيرهم، لأنهم أقدم منهم عهدا
الإيضاح :
أي ولا تخلطوا الحق المنزل بالباطل الذي تخترعونه وتكتبونه حتى لا يتميزا، ولا تكتموا الحق الذي تعرفونه، فالنهي الأول عن التغيير، والنهي الثاني عن الكتمان.
وقد أبانت الآية طريقهم في الغواية والإغواء، فقد جاء في كتبهم :
التحذير من أنبياء كذبة يبعثون فيهم، وتكون لهم عجائب وأفاعيل تدهش الألباب.
أن الله يبعث فيهم نبيا من ولد إسماعيل يقيم به أمة، وأنه يكون من ولد الجارية هاجر وبين علامات واضحة له لا لبس فيها ولا اشتباه.
فأخذ الأحبار والرهبان يلبسون على العامة الحق بالباطل، ويوهمونهم أن النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الأنبياء الذين وصفوا في التوراة بالكذب، ويكتمون ما يعرفونه من أوصاف لا تنطبق إلا عليه، وما يعرفونه من نعوت الأنبياء الصادقين وسبيل دعوتهم إلى الله، إلى أنهم كانوا يصدونهم عن السبيل القويم بعدم الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم بزيادات يستحدثونها، وتقاليد يبتدعونها بضروب من التأويل والاستنباط من كلام بعض سلفهم وأفعالهم ويحكمونها في الدين ويحتجون بأن الأقدمين كانوا أعلم بكلام الأنبياء وأشد إتباعا لهم، فعلى من بعدهم أن يأخذ بكلامهم دون كلام الأنبياء الذي يصعب علينا فهمه بزعمهم.
لكن هذه المعذرة لم يتقبلها الله منهم، ونسب إليهم اللبس والكتمان للحق الذي في التوراة إلى يومنا هذا، كما لم يتقبل ممن بعدهم من العلماء في أي شريعة ودين أن يتركوا كتابه ويتبعوا كلام العلماء بتلك الحجة عينها، فكل ما يعلم من كتاب الله يجب علينا أن نعمل به، وما لا يعلم يسأل عنه أهل الذكر، ومتى فهمناه وعلمناه عملنا به.
قال في التيسير : ويجوز صرف الخطاب إلى المسلمين وإلى كل صنف منهم، وبيانه أن يقال : أيها السلاطين لا تخلطوا العدل بالجور، ويأيها القضاة لا تخلطوا الحكم بالرشوة، وهكذا كل فريق. فهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول من فعل فعلهم، فمن أخذ رشوة على تغيير حق وإبطاله، أو امتنع من تعليم ما وجب عليه، أو أداء ما علمه، وقد تعين عليه أداؤه حتى يأخذ عليه أجرا، فقد دخل في حكم الآية اه.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير