الاستبدال، فيكون المعنى: ولا تستبدلوا بآياتي ثمنا قليلا فيستغنى عن تقدير المضاف (١).
و (القليل) نقيض (٢) الكثير، قَلَّ الشيء يَقِلُّ قِلَّة (٣).
وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ فاخشون في أمر محمد، لا ما يفوتكم من الرئاسة (٤).
٤٢ - قوله تعالى: وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ الآية. يقال: لَبَسْتُ الأمر أَلْبِسُه لَبْساً، إذا خلطته وشبهته (٥).
وقال ابن دريد: لَبَسْتُ الأمر ولَبَّستُه، إذا عميتُه، ومنه وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩]، ويقال: في أمره لُبْسَة أي ليس بواضح (٦).
قال ابن السكيت يقال (في أمره لَبْسٌ، أي: اختلاط) (٧).
و (اللباس) ما واريت به جسدك. هذا هو الأصل في اللباس (٨)، ثم
(٢) في "اللسان": (القلة خلاف الكثرة) "اللسان" (قل) ٦/ ٣٧٢٦.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (قلل) ٣/ ٣٠٣٦، "اللسان" (قل) ٦/ ٣٧٢٦.
(٤) الثعلبي في "تفسيره" ١/ ٦٨ أ، ونحوه عند أبي الليث في "تفسيره" ١/ ١١٤، وقال ابن جرير: (فاتقون) في بيعكم آياتي بالخسيس من الثمن وشرائكم بها القليل من العرض، وكفركم بما أنزلت على رسولي وجحودكم نبوة نبيّ أن أحل بكم ما أحللت بأسلافكم..) ١/ ٢٥٤، وانظر: "تفسيرابن كثير" ١/ ٨٩.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" (لبس) ٤/ ٣٢٢٨، "اللسان" (لبس) ٧/ ٣٩٨٦.
(٦) (الجمهرة) ١/ ٢٨٩.
(٧) "إصلاح المنطق" ص ١١، وانظر: "تهذيب اللغة" (لبس) ٤/ ٣٢٢٨، والنص من "التهذيب".
(٨) انظر: "تهذيب اللغة" (لبس) ٤/ ٣٢٢٨، "مجمل اللغة" (لبس) ٣/ ٨٠١، "اللسان" (لبس) ٧/ ٣٩٨٦.
يقال: لَبِسْتُ فلاناً، أي استمتعت به (١). قال:
| وَحُقَّة مِسْكٍ مِنْ نَسَاءٍ لَبِسْتُها | شَبَابِي وَكَأسٍ بَاكَرَتْنِي شَمُولُهَا (٢) |
قال امرؤ القيس:
| أَلَا إن بَعْدَ الفَقِرْ لِلْمَرْءِ قِنْوَةً | وَبَعْدَ المشِيبِ طُولَ عُمْرٍ وَمَلْبَسَا (٤) |
ومعنى الآية: لا تخلطوا الحق الذي أنزلت عليكم من صفة محمد - ﷺ - بالباطل الذي تكتبونه بأيديكم، من تغيير صفته وتبديل نعته (٦).
(٢) البيت لعبد الله بن عجلان النهدي في "الحماسة بشرح المرزوقي" ٣/ ١٢٥٩، "الكامل" ٢/ ٢٩٢.
(٣) في (ب): (مستمع). انظر: "المجمل" "لبس" ٣/ ٨٠٨، "مقاييس اللغة" (لبس) ٥/ ٢٣٠، "اللسان" (لبس) ٧/ ٣٩٨٦.
(٤) يقول بعد الشدة رخاء، وبعد الشيب عمر ومستمتع، وهذا مثل ضربه لنفسه، و (الْقِنْيِة: ما اقتنيت من شىِء فاتخذته أصل مال. والْمَلْبَس: المستمتع والمنتفع، وفي "الديوان" وأكثر المصادر (بعد العدم) بدل (الفقر)، انظر: "ديوان امرئ القيس" ص ٨٧، "تهذيب اللغة" (لبس) ٤/ ٣٢٢٩، "مجمل اللغة" ٣/ ٨٠١، "مقاييس اللغة" ٥/ ٢٣٠، "اللسان" ٧/ ٣٩٨٧، و"القرطبي" ١/ ٢٩٠.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" (بطل) ١/ ٣٥٠، "اللسان" ١/ ٣٠٢، و"القرطبي" ١/ ٣٤١.
(٦) "تفسير الثعلبي" ١/ ٦٨ ب، انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" ١/ ٩٨، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٤٩، و"ابن عطية" ١/ ٢٧٢، و"القرطبي" ١/ ٢٩١.
قال مقاتل: إن اليهود أقروا ببعض صفة محمد ﷺ وكتموا بعضا لِيُصَدَّقوا في ذلك، فقال الله عز وجل: وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ الذي تُقرّون به وتبينونه بِالْبَاطِلِ، يعني بما (١) تكتمونه، فالحق بيانهم والباطل كتمانهم (٢).
وقوله تعالى: وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ.
قال الفراء (٣): إن شئت جعلت وَتَكْتُمُوا في موضع جزم بالعطف (٤)، وإن شئت جعلتها في موضع نصب (٥) على (الصرف)، ومثله (٦): وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا [البقرة: ١٨٨]، وقوله تعالى: لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا [الأنفال: ٢٧]، ومعنى (الصرف) أن تأتي (٧) بالواو معطوفاً (٨) على كلام في أوله حادث لا تستقيم (٩) إعادتها في
(٢) "تفسير الثعلبي" ١/ ٦٨ أ، وذكره أبو الليث ولم يعزه لمقاتل ١/ ٣٣٨. وفي الآية أقوال أخرى منها: قيل: وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ اليهودية والنصرانية بالإسلام، انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٢٥٥، و"ابن أبي حاتم" ١/ ٩٨، و"ابن عطية" ١/ ٢٧٣.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ١/ ٣٣.
(٤) قوله: (بالعطف)، أي على (تلبسوا).
(٥) قوله: في موضع نصب على (الصرف) وباضمار أن على رأى البصريين كما سيأتي.
(٦) في (ج): (ومثله قوله)
(٧) في (أ)، (ج): (يأتي). وما في (ب) أصح في السياق وموافق لما في "معاني القرآن" ١/ ٣٤.
(٨) في "المعاني": (معطوفة).
(٩) في (ب)، (ج): (لا يستقيم).
المعطوف (١)، كقوله:
لَاتَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأتِيَ مِثْلَه (٢)
ألا ترى أنه لا يجوز إعادة (لا) في و (تأتي)، ولذلك سمي صرفا إذ (٣) كان معطوفا (٤) ولم يستقم أن يعاد فيه الحادث الذي فيما (٥) قبله. ومثله من الأسماء التي نصبتها العرب وهي معطوفة على مرفوع، قولهم: لو تُرِكْتَ والأسدَ لأكلك (٦)، ولو خُلِّيتَ ورَأْيَك لضللت، لما لم يحسن في
(٢) صدر بيت وعجزه:
عَارٌ عَلَيْكَ إِذا فَعَلْتَ عَظِيمُ
وقد اختلف في نسبته، فنسبه سيبويه للأخطل، ونسبه بعضهم لأبي الأسود الدؤلي، ونسبه بعضهم إلى المتوكل الكناني، وبعضهم إلى حسان، وبعضهم إلى الطرماح بن حكيم، وإلى سابق البربري، والبيت ورد في أغلب كتب النحو. ورد في "الكتاب" ١/ ٤٢، و"المقتضب" ٢/ ٢٥، و"معاني القرآن" للفراء ١/ ٣٤، والطبري ١/ ٢٥٥، و"الإيضاح العضدي" ١/ ٣١٤، و"الجمل" للزجاجي ص ١٨٧، و"الأزهية" ص ٢٣٤، و"الرصف" ص ٤٨٦، و"شرح المفصل" ٧/ ٢٤، و"الخزانة" ٨/ ٥٦٤، و"شرح شذور الذهب" ص ٣٦٠، و"مغني اللبيب" ٢/ ٣١٦، و"أدب الدنيا والدين" ص ٣٩، و"شرح ابن عقيل" ص ٢٣٣، و"أوضح المسالك" ٤/ ١٨١، وغيرها كثير.
(٣) في (ب): (إذا).
(٤) في (ج): (مطوفا).
(٥) كذا في جميع النسخ وفي "معاني القرآن" للفراء (الحادث الذي قبله) ١/ ٣٤.
(٦) في (ج): (لا كان).
الثاني أن تقول (١): لو تركت وترك (٢) رأيك، تهيبوا أن يعطفوا حرفا لا يستقيم فيه ما حدث في الذي قبله، على الذي قبله، فنصبوا (٣).
ومذهب البصريين أن جميع ما انتصب في هذا الباب فبإضمار (أن) كأنه قيل: لا يكن منكم لبس للحق وأن تكتموه (٤).
وقوله: وَأَنتُم تَعْلَمُونَ. أكثر المفسرين على أن المعنى: وأنتم تعلمون أنه الحق، أنه نبي مرسل قد أنزل عليكم ذكره في كتابكم، فليس بمشتبه عليكم شيء من أمره ونسبه، وعلى هذا إنما كفروا لأنهم جحدوا نبوته فلم ينفعهم علمهم (٥).
والأمة اجتمعت (٦) على أن جاحد النبوة كافر، فإذا علموا بقلوبهم، ولم يكن لنا سبيل إلى أن نعلم أنهم علموا (٧)، وظهر منهم جحود، أجمعنا على أنهم كفار.
(٢) في (ج): (ويترك).
(٣) انتهى من "معاني القرآن" للفراء١/ ٣٣، ٣٤، بتصرف، وانظر: "تفسير الطبري" ١/ ٢٥٥.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٩٤، وانظر تفاصيل الخلاف في هذه المسألة في "الإنصاف" ص ٤٤٢، وقد ذكر قولاً ثالثاً لأبي عمر الجرمي، وهو أن (الواو) هي الناصبة بنفسها؛ لأنها خرجت عن باب العطف، وانظر: "البحر المحيط" ١/ ١٧٩.
(٥) انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٢٥٦، و"تفسير ابن كثير" ١/ ٩٠، و"القرطبي" ١/ ٢٩١، "البحر" ١/ ١٨٠.
(٦) في (ب): (اجتمعت).
(٧) حتى ولو علمنا أنهم علموا فكفرهم كفر عناد، انظر: "تفسير القرطبي" ١/ ٢٩١.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي