٤٣- قوله تعالى : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة |البقرة : ٤٣|
الصلاة في عرف الشرع تقع على أفعال مخصوصة، وقد اختلف في أصلها من اللغة، فقيل : الصلاة في اللغة الدعاء، ولذلك سميت الصلاة على الميت، صلاة، وليس إلا دعاء١، ومنه قول الشاعر :
.......................... *** وصلى على دنها وارتسم٢
وقيل : الصلاة من الصلوين، وهما عرقان في الردف ينحنيان في الركوع والسجود. قال الشاعر٣ :
تركت الرمح يعمل في صلاة ***.........................
وقيل : هي مأخوذة من صليت العود في النار إذ أعطفته وقومته ومنه قول الشاعر٤ :
فلا تعجل بأمرك واستدمه *** فما صلى عصاه كمستديم
وقيل : هي مأخوذة من الصلة وهي الوصلة، وزنها على هذه علفة٥ مقلوبة من فعلة التي هي وصلة وهذا أضعف الأقوال٦.
وقد اختلف الأصوليون هل غير الشرع هذا الاسم عن موضوعه في اللغة أم لا٧ ؟ فذهب كثير منهم إلى أنه باق على موضوعه من اللغة قيده الشرع بقيود وشروط وهو القاضي أبو الطيب. وذهب غيره إلى أنه في الشريعة منقول عن موضوعه في اللغة إلى هذا المعنى الشرعي المركب من السجود والركوع والقيام إلى غير ذلك مما هو مجموع الصلاة. وكيف ما كان قد فهم المراد |به في الشرع وأنها فعل على وجه مخصوص إلا أنه اختلف هل هو مجمل لا يفهم المراد|٨ من لفظه ويفتقر في البيان إلى غيره ؟ فلا يصح الاستدلال به على صفة ما أوجبه الشرع ؟ أم هو عام يصح الاستدلال به على ذلك، ويجب حمله على عمومه في كل ما يتناوله الاسم من أنواع الدعاء إلا ما خصه الشرع ؟ على قولين معلومين. وإذا قلنا : إنه مجمل خرج من ذلك جواز تأخير البيان٩ لوقت الحاجة خلافا لمن منعه. وقال أبو الحسن علي بن محمد : يجوز أن يرجع ذلك إلى صلاة متقدمة١٠. وهذا الذي قاله احتمال صحيح لأن الآية مدنية. وقد أجمع العلماء على أن الصلاة فرضت بمكة ليلة الإسراء. واختلف١١ في تاريخ الإسراء فقيل : بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بسنة ونصف، وقيل : قبل الهجرة بسنة، وقيل : بعدما أوحي إليه بخمس سنين١٢. واختلفوا في صفة الفرض. فقيل : فرضت ركعتين١٣ ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر. ومن رواة هذا من يقول : زيد في صلاة الحضر بالمدينة١٤. وقيل : فرضت أربعا أربعا فأقرت صلاة الحضر ونقصت صلاة السفر. ١٥ وقيل : فرضت أربعا في الحضر وركعتين في السفر، وجاءت بذلك كله أحاديث صحاح١٦. وجاء جبريل –عليه السلام- لغد من ليلة الإسراء فصلى بالنبي صلى الله عليه وسلم الخمس صلوات المفروضة١٧. واختلف هل كان قبل فرض هذه الصلوات الخمس أخرى أم لا ؟ فقال جماعة١٨ من العلماء لم يكن صلى النبي صلاة مفروضة قبل الإسراء إلا ما كان أمر به من قيام الليل من غير تحديد. وحكى مكي١٩ عن إبراهيم بن إسحاق أنه قال : أول أمر الصلاة أنها فرضت بمكة ركعتين في أول النهار وركعتين في آخره، ثم كان الإسراء ليلة سبعة عشر من ربيع الآخر٢٠ قبل الهجرة بسنة، ففرضت الخمس وأم جبريل –عليه السلام- وكانت أول صلاة الظهر، وتوجه إلى بيت المقدس٢١.
٤٣- وقوله تعالى : واركعوا مع الراكعين |البقرة : ٤٣|.
إن قيل لم خص الركوع من جميع الصلاة بعد أن أمر بالصلاة ففيه جوابان : أحدهما : أن الركوع بمعنى الصلاة، أي صلوا مع المصلين، والثاني : قال قوم خصه بالذكر لأن صلاة بني إسرائيل لم يكن فيها ركوع.
وفيه عند جواب ثالث : أن يكون أراد بالركوع هنا التواضع لله تعالى
والتذلل له، والانقياد، فيكون ركوعا لغويا لا شرعيا. ومنه قول الشاعر :
ولا تهين الفقير٢٢ علك أن *** تركع يوما والدهر قد رفعه
ويحتمل أن يقال خصص الركوع تشريفا له كقوله تعالى : فيهما فاكهة ونخل ورمان ٦٨ |الرحمان : ٦٨|.
٤٣- وقوله تعالى : وآتوا الزكاة |البقرة : ٤٣|.
الزكاة في الشرع تقع على نوع من المال مخصوص. وله في اللغة معنى آخر غير إليه واختلف فيه ما هو ؟ فقيل : الزكاة في اللغة النمو، تقول : زكا الشيء إذا نمى. وتقول العرب إذا كثرت المؤتفكات : زكا الزرع. فسمي القدر الذي أوجبه الشرع للمساكين في المال زكاة٢٣، وإن كان في الحقيقة نقصا لأنه يرجى فيه النمو بالبركة والأجر، الذي يثيب الله تعالى به المزكي. وقيل : الزكاة مأخوذة من التزكية التي هي التطهير، ومنه تزكية الشاهد، ألا ترى أن النبي٢٤ صلى الله عليه وسلم سمى في " الموطإ " ٢٥ ما يخرج من الزكاة أوساخ الناس. والكلام في سائر ما في هذا اللفظ من الأحكام كالكلام في الصلاة، ثم قال : وأما الزكاة فمجملة لا غير، وليس كما ذكر بل الخلاف فيهما سواء. وهذا الأمر في هذه الآية ونحوها، بالصلاة والزكاة أمر وجوب. وقد تسوغ الحجة لمن يرى وجوب صلاة الجنازة٢٦، ووجوب زكاة الفطر ويرى أن وجوبهما بالقرآن لا بالسنة خاصة.
٢ هو الأعشى، وصدر البيت: وقابلها الريح في دنها. كما في الديوان ص١٩٦} وفي اللسان "صلا" ٤/٢٤٩٠..
٣ عجزه: كأن سنانه خرطوم نسر. ينظر هامش المحرر الوجيز ١/١٠١- ط المغرب..
٤ هو قيس ابن زهير: كما في الموضع السابق من اللسان (٤ / ٢٤٩٢).
٥ * في ن "عفلة".
٦ يراجع جامع البيان ١/١٣٦ والمحرر الوجيز ١/١٤٦، ١٤٧ وزاد المسير ١/٢٥ والمفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص ٤٢٠ -٤٢٢.
٧ يراجع كلام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١/١٦٩، ١٧٠..
٨ سقطت من أ..
٩ في ن "إلى"..
١٠ هو الكيا الهراسي في أحكام القرآن ١/٩ وتمام كلامه: "ويجوز أن يكون مجملا موقوفا على بيان متأخر عند من يجوز ذلك"..
١١ في ن "واختلفوا"..
١٢ يراجع تحقيق الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٧/٢٠٣..
١٣ هذا اللفظ ورد من قول عائشة في الصلاة من صحيح البخاري ١٠٩٠ وعند مسلم في صلاة المسافرين ٦٨٥ وقول عائشة مما لا مجال للرأي فيه، فهو في حكم المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم..
١٤ ورد معناه في بعض طرق البخاري عن عائشة ٣٩٣٥..
١٥ ثبت هذا من حديث ابن عباس وفي آخره "وفي الخوف ركعة" كما عند مسلم في صلاة المسافرين ٦٨٧..
١٦ للعلماء طرق في الجمع بين هذه الأحاديث استوفاها ابن عبد البر في التمهيد ١٦/٢٩٣ -٣١٨ وابن حجر في الفتح ١/٤٦٤ والشوكاني في نيل الأوطار ٣/١٩٩ -٢٠٤..
١٧ يراجع كتاب الصلاة من صحيح البخاري ٣٤٩..
١٨ في ب "جمع"..
١٩ في تفسيره ج ا/ ق٦٤/ أ..
٢٠ في ب "الأول"..
٢١ يراجع كلام الحافظ ابن حجر في الفتح ١/٤٦٥..
٢٢ في ب و ن "لا تعاد الضعيف" وهو كذلك في "المحرر الوجيز" وفيه "الفقير" ١/٢٥٧ والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١/٣٤٤ والبيت في لسان العرب "هون" غير منسوب ٦/٤٧٢٤..
٢٣ يراجع في هذا أحكام القرآن للهراسي ١/٩ والمحرر الوجيز ١/٢٥٦ ومفردات الأصبهاني ص ٣١٢، ٣١٣ والجامع لأحكام القرآن ١/٣٤٥..
٢٤ في أ "أن أسلم سمى في الموطأ"..
٢٥ في كتاب الصدقة ٢/٦٠٠/٢٨٥٦..
٢٦ في أ "الجنائز"..
أحكام القرآن
ابن الفرس