تمهيد تاريخي :
روى المؤرخون أن الله لما أرسل موسى إلى فرعون وقومه يدعوهم إلى الإيمان به ويطلب إليهم إطلاق الشعب الإسرائيلي وترك تعذيبه، زاد فرعون في تعذيبهم وسماهم الخسف وشدد عليهم النكال والتعذيب.
ويؤيد ذلك ما جاء في سفر الخروج من التوراة : أن الله تعالى أنبأ موسى بأنه سيجعل قلب فرعون قاسيا على بني إسرائيل ويزيد في النكال بهم ولا يرسلهم مع موسى حتى يريه آياته، فبعد أن دعا موسى إلى الإيمان زاد فرعون ظلما وعتوا فأمر الذين كانوا يسخرون بني إسرائيل في الأعمال الشاقة أن يزيدوا في القسوة عليهم وأن يمنعوهم التبن الذين كانوا يعطونهم إياه لعمل اللبن ( الطوب ) ويكلفونهم أن يجمعوه ويعملوا كل ما يعملونه من اللبن لا يخفف عنهم من شيء.
فأعطى موسى وأخاه هارون الآيات فحاول فرعون معارضتها بسحر السحرة فلما آمن السحرة برب العالمين رب موسى وهارون ورأى من الآيات ما رأى سمح بخروج بني إسرائيل بل طردهم طردا.
وفي سفر الخروج أنهم خرجوا في شهر أبيب بعد أن أقاموا بمصر ثلاثين وأربعمائة سنة من عهد يوسف عليه السلام، ثم أتبعهم فرعون وجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأنجى الله بني إسرائيل وأغرق فرعون ومن معه.
وقد كان فرق البحر من معجزات موسى عليه السلام كمعجزات سائر الأنبياء التي يظهرها الله تعالى عل أيديهم لترشد الناس إلى أن السنن والنواميس الكونية لا تحكم على واضعها، ومدبرها هو الحاكم المتصرف فيها، وهي أيضا سنة أخرى في الكون، يخلقها الله متى شاء على يد من يصطفيه من عباده.
وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون .
التفسير :
أي اذكروا نعمة أخرى كفرتم بها وظلمتم أنفسكم. وذلك أنهم بعد أن اجتازوا البحر سألوا موسى أن يأتيهم بكتاب من عند الله ليعملوا بأحكامه فوعده سبحانه أن يعطيه التوراة، بعد أربعين ليلة ينقطع فيها لمناجاته، وبعد انقضاء تلك الفترة وذهاب موسى لتلقي التوراة من ربه اتخذ بنو إسرائيل عجلا جسدا له خوار فعبدوه من دون الله. وأعلم الله موسى بما كان من قومه بعد فراقه لهم، فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا، وقال لهم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل إلها، وكان الأولى أن تعبدوا الله الواحد الذي أنقذكم من فرعون وأنجاكم من البحر.
وقد حذف المفعول الثاني لاتخذتم وهو إلها أو معبودا لشناعة ذكره ولعلمهم بأنهم اتخذوه إلها.
وقوله تعالى : من بعده معناه من بعد مضيه لميقات ربه إلى الطور وغيابه عنهم، وجملة وأنتم ظالمون حالية مقيدة لاتخذتم ليكون اتخاذهم العجل معبودا، مقرونا بالتعدي والظلم من بدئه إلى نهايته، وللإشعار بانقطاع عذرهم فيما فعلوا.
تفسير القرآن الكريم
شحاته