وقوله : وإذ ءاتينا موسى الكتاب و الفرقان لعلكم تهتدون [ البقرة : آية ٥٣ ] ( إذ ) معطوف على ما قبله، وأكثر العلماء على أنه منصوب ب( اذكر ) مقدرا. وقد بينا مرارا أن الدليل على عمل هذا العامل الذي هو ( اذكر ) في ( إذ ) أنه مفهوم من استقراء القرآن، لكثرة إعمال ( اذكر ) في ( إذ ) نحو : واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف [ الأحقاف : آية ٢١ ]، واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض [ الأنفال : آية ٢٦ ]، وأذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم [ الأعراف : آية ٨٦ ] وهكذا.
و ءاتينا معناه أعطينا، والألف فيه مبدلة من همزة فاء الفعل، فوزنه :( أفعلنا ) والأصل ( أأتينا ) فأبدلت همزة فاء الفعل مدا مجانسا لحركة همزة ( أفعل ) على القاعدة التصريفية المجمع عليها المشهورة التي عقدها ابن مالك في الخلاصة بقوله :
ومدا ابدل ثاني الهمزين من*** كلمة ان يسكن كآثر وائتمن
وصيغة الجمع للتعظيم. ومعنى ( آتينا ) : أعطينا، وهي تطلب مفعولين، والمفعول الأول هو موسى، والثاني الكتاب، وهذه من باب :( كسا ) لا من ( ظن ). ومعلوم عند علماء العربية أن الفرق الواضح الموضح بين باب ( ظن ) وباب :( كسا ) – مع أن كلا منهما تنصب مفعولين – هو : أن تحذف الفعل من كلا البابين، ثم تجعل المفعولين مبتدأ وخبرا، فإن صدقت القضية فهي من باب ( ظن )، وإن كذبت فهي من باب ( كسا )، وهذا ضبط مطرد مفيد لطالب العلم، فلو قلت مثلا : " ظننت زيدا قائما ". فحذفت الفعل الذي هو ( ظننت ) وجعلت المفعولين مبتدأ وخبرا، فقلت : " زيد قائم " كان كلاما مستقيما. فهذا من باب ( ظن )، بخلاف " كسوت زيدا ثوبا " و " سقيت عمرا ماء ". و آتينا موسى الكتاب لو حذفت الفعل منها وقلت : " زيد ثوب "، " عمرو ماء "، " موسى الكتاب "، فهذه القضية كاذبة، فدل على أنها من باب ( كسا ).
والمراد بالكتاب التوراة، بإجماع العلماء.
والتحقيق أن المراد بالفرقان هو التوراة أيضا، وقد تقرر في فن العربية أن الشيء الواحد إذا وصف بصفات مختلفة يجوز عطفه على نفسه نظرا إلى اختلاف صفاته، وتنزيلا لتغاير الصفات منزلة تغاير الذوات. ومن أمثلته في القرآن قوله جل وعلا : سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى [ الأعلى : الآيات ١ - ٤ ]، فالمتعاطفات بالواو مدلولها واحد، إلا أنها عطفت بسبب تغاير الصفات، ونظير هذا من كلام العرب قول الشاعر :
إلى الملك القرم وابن الهمام*** وليث الكتيبة في المزدحم
فعطف هذه بعضها على بعض، مع أن الموصوف بها واحد، نظرا إلى تغاير الصفات. والدليل على أن ( الفرقان ) كتاب موسى، وأن من زعم أن المعنى : آتينا موسى الكتاب، ومحمدا صلى الله عليه وسلم الفرقان، أنه قول باطل، بدليل قوله ( جل وعلا ) في الأنبياء : ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين [ الأنبياء : آية ٤٨ ].
وقوله : لعلكم تهتدون أي : لأجل أن تهتدوا كما بينا. أو على أن إنزال هذا الكتاب يرجى منه أن تهتدوا ؛ لأنه مظنة لذلك، ومحل للرجاء في هداكم بهذا الكتاب العظيم السماوي.
و تهتدون معناه تسلكون طريق الهدى، من طاعة الله جل وعلا، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير