ﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨ

موسى فخذوه، وإلا كان شيئاً لم تأكلوه، ففعلوا. قال السدي: وكان جبريل قد أتى إلى موسى ليذهب به إلى ربه، فرآه السامريّ، فأنكره وقال: إن لهذا شأناً، فأخذ قبضة من أثر حافر الفرس، فقذفها في الحفيرة، فظهر العجل. وقيل: إِن السامريّ أمرهم بالقاء ذلك الحليّ، وقال: إنما طالت غيبة موسى عنكم لأجل ما معكم من الحلي، فاحفروا لها حفيرة وقربوه إلى الله، يبعث لكم نبيكم، فإنه كان عارية، ذكره أبو سليمان الدمشقي. وفي سبب اتخاذ السامري عجلاً قولان: أحدهما: أن السامري كان من قوم يعبدون البقر، فكان ذلك في قلبه، قاله ابن عباس. والثاني: أن بني إسرائيل لما مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم، أعجبهم ذلك، فلما سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً وأنكر عليهم، أخرج السامريّ لهم في غيبته عجلاً لما رأى من استحسانهم ذلك، قاله ابن زيد. وفي كيفية اتخاذ العجل قولان: أحدهما: أن السامري كان صوّاغاً فصاغه وألقى فيه القبضة، قاله علي وابن عباس. والثاني:
أنهم حفروا حفيرة، وألقوا فيها حلي قوم فرعون وعواريهم تنزهاً عنها، فألقى السامريّ القبضة من التراب فصار عجلاً. روي عن ابن عباس أيضاً. قال ابن عباس: صار لحماً ودماً وجسداً، فقال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى قد جاء، وأخطأ موسى الطريق، فعبدوه وزفنوا حوله «١».
[سورة البقرة (٢) : آية ٥٣]
وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)
قوله تعالى: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ، الكتاب: التوراة. وفي الفرقان خمسة أقوال:
أحدها: أنه النصر، قاله ابن عباس وابن زيد. والثاني: أنه ما في التوراة من الفرق بين الحق والباطل، فيكون الفرقان نعتاً للتوراة، قاله أبو العالية. والثالث: أنه الكتاب، فكرره بغير اللفظ. قال عدي بن زيد:
فألفى قولها كذباً ومينا «٢» وقال عنترة:
أقوى وأقفر بعد أم الهيثم «٣» هذا قول مجاهد، واختيار الفرّاء والزّجّاج. والرابع: أنه فرق البحر لهم، ذكره الفراء والزجاج وابن القاسم. والخامس: أنه القرآن. ومعنى الكلام: لقد آتينا موسى الكتاب، ومحمداً الفرقان، ذكره الفرّاء، وهو قول قطرب.
[سورة البقرة (٢) : آية ٥٤]
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)
قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ. القوم: اسم للرجال والنساء،

(١) الزّفن: الرّقص، ومنه حديث عائشة رضي الله عنها: «قدم وفد الحبشة فجعلوا يزفنون ويلعبون» أي يرقصون.
(٢) هو عجز بيت وصدره: فقددت الأديم لراهشيه. والقدّ: القطع. والراهشان: عرقان في باطن الذراع. والمين:
الكذب. وانظر «اللسان» مادة- مين-. [.....]
(٣) هو عجز بيت وصدره: حيّيت من طلل تقادم عهده. انظر «تفسير القرطبي» ١/ ٤٤٠.

صفحة رقم 65

قال الله تعالى: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ «١»، وقال زهير:

وما أدري وسوف إِخال أدري أقوم آل حصن أم نساء؟!
وإنما سموا قوماً، لأنهم يقومون بالأمور.
قوله تعالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ، قال أبو علي: كان ابن كثير ونافع «٢» وعاصم «٣» وابن عامر «٤» وحمزة والكسائي «٥» يكسرون الهمزة من غير اختلاس ولا تخفيف. وروى اليزيدي وعبد الوارث «٦» عن أبي عمرو «٧» :«بارئْكم» بجزم الهمزة. روى عنه العباس بن الفضل «٨» :«بارئكم» مهموزة غير مثقلة.
وقال سيبويه «٩» : كان أبو عمرو يختلس الحركة في: «بارئكم» و «يأمركم» وما أشبه ذلك مما تتوالى فيه الحركات، فيرى من يسمعه أنه قد أسكن ولم يسكن. والبارئ: الخالق. ومعنى فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ:
ليقتل بعضكم بعضاً. قاله ابن عباس ومجاهد.
واختلفوا فيمن خوطب بهذا على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه خطاب للكل، قاله السدي عن أشياخه. والثاني: أنه خطاب لمن لم يعبد ليقتل من عبد، قاله مقاتل. والثالث: أنه خطاب للعابدين فحسب، أمروا أن يقتل بعضهم بعضاً، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي الإشارة بقوله: «ذا» في:
«ذلكم» قولان: أحدها: أنه يعود إِلى القتل. والثاني: أنه يعود إلى التوراة.
(الإِشارة إِلى قصتهم في ذلك) قال ابن عباس: قالوا لموسى: كيف يقتل الآباء الأبناء، والإخوة الإخوة؟ فأنزل الله عليهم ظلمة
(١) الحجرات: ١١.
(٢) هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارئ، المدني، مولى بني ليث، أصله من أصبهان، وقد نسب لجده صدوق ثبت في القراءة، من كبار السابعة، توفي ١٦٩، وروى له ابن ماجة في «التفسير».
(٣) هو عاصم بن بهدلة، وهو ابن أبي النّجود الأسدي مولاهم، الكوفي، أبو بكر المقرئ، صدوق له أوهام حجة في القراءة وحديثه في الصحيحين مقرون، من السادسة، توفي ١٢٨. انظر «التقريب» ٣٠٥٤.
(٤) هو عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم اليحصبيّ، الدمشقي، المقرئ، أبو عمران، وقيل غير ذلك في كنيته، ثقة، من الثالثة، توفي سنة ١١٨ وله سبع وتسعون سنة على الصحيح، روى له مسلم والترمذي. انظر «التقريب» ٣٤٠٥.
(٥) هو إمام القرّاء، أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز الأسدي الكوفي، المعروف بالكسائي، النحويّ، مولى بني أسد، أحد الأئمة القرّاء. وقيل له لم سميت الكسائي قال: لأني أحرمت في كساء. توفي سنة ١٨٩ في «برنبوية» قرية من قرى الرّيّ. انظر «الأنساب» للسمعاني ٥/ ٦٦.
(٦) هو الإمام القارئ الحافظ، أبو عبيدة التنوري، عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الغبري مولاهم، البصري، ثقة ثبت، رمي بالقدر ولم يثبت عنه، من الثامنة. توفي سنة ١٨٠ روى له الجماعة.
(٧) هو مقرئ البصرة، الإمام أبو عمرو بن العلاء بن عمّار التميمي المازني البصري أحد السبعة، قال أبو عبيدة:
كان أبو عمرو أعلم الناس بالقرآن والعربية والشعر وأيام العرب وكانت دفاتره ملء بيت إلى السقف ثم تنسك فأحرقها. وهو في النحو في الطبقة الرابعة. توفي في الكوفة سنة ١٥٤.
(٨) العباس بن الفضل، أحد القراء، توفي سنة ١٨٦.
(٩) هو عمرو بن عثمان، إمام النحو واللغة، توفي سنة ١٦١.

صفحة رقم 66

زاد المسير في علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي

تحقيق

عبد الرزاق المهدي

الناشر دار الكتاب العربي - بيروت
سنة النشر 1422
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية