٨٩ - قوله تعالى: وَلَمَّا جَاَءَهُم كِتَابٌ يعنى: القرآن مُصَدِّقٌ موافق لِمَا مَعَهُمْ؛ لأنه جاء على ما تقدّم به الإخبار في التوراة والإنجيل، فهو مصداق الخبر المتقدم، من حيث كان مخبره على ما تقدم الخبر به (١).
وقوله تعالى: وَكَانُوا يعني: اليهودَ (٢).
و (كان) ليس بفعل حقيقي كسائر الأفعال، والفرق بينه وبين الفعل الحقيقي، أن الفعل الحقيقي يدل على وجود معنى مصدره بعد أن لم يكن، في ماض أو حاضر أو مستقبل، و (كان) إنما يدل على الزمان الماضي أو الحاضر والمستقبل في تصريفه فقط، من غير دلالة على وجود مصدره بعد أن لم يكن (٣) كقولك: كان زيد عالمًا معناه: زيد عالم فيما مضى (٤).
وذكرنا ما في (كان) عند قوله: وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا [البقرة: ٢٨] (٥).
وقوله تعالى مِنْ قَبْلُ أي: من قبل هذا الكتاب وقبل هذا النبي (٦). يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا قال ابن عباس (٧) والسدي (٨): هو أنهم إذا
(٢) ينظر الطبري في "تفسيره" ١/ ٤١٠، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٠٣٠.
(٣) من قوله: في ماضٍ أو حاضر.. ساقط من (ش).
(٤) ينظر: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٠٨٤ مادة (كان)، و"الأزهية في علم الحروف" ص ١٨٣، و"مغني اللبيب" ٢/ ٥٥٩.
(٥) ينظر: "البسيط" ٢/ ٢٩٣.
(٦) ينظر: "تفسير الطبري" ١/ ٤١٠ "تفسير الثعلبي" ١/ ١٠٣٠.
(٧) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ١/ ٤١١ - ٤١٢، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ١٧١ - ١٧٢.
(٨) رواه عنه الطبري ١/ ٤١١ - ٤١٢، وانظر: "زاد المسير" ١/ ١١٤.
حزبهم (١) أمر، وظهر لهم عدوٌّ، قالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان، وكانوا يسألون الله النصرَ بمحمد وبكتابه (٢).
وذكرنا معنى (الفتح والاستفتاح) عند قوله: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [البقرة: ٧٦]. وفي الكلام إضمار واختصار، أراد: وكانوا من قبل يستفتحون به، أي: بذلك الكتاب، فلما سبق ذكر الكتاب لم (٣) يُعِده. ومثله في الكلام: السَّمْنُ مَنَوَان (٤) بدرهم أي: منه، ولكنك لا تعيد ذكره، وقد سبق في أول كلامك.
وقوله تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ يعني: الكتاب وبعثة النبي - ﷺ - وذلك أنهم كانوا قرأوا في التوراة: إن الله تعالى يبعث في آخر الزمان نبيًّا (٥)، وينزل عليه قرآنًا مبينًا أي: بالكتاب، ويبعث صاحب ذلك الكتاب (٦).
أعلم الله أنهم كفروا وهم يوقنون، وأنهم مُتَعمدون للشقاق وعداوة الله.
وجواب قوله: وَلَمَّا جَاءَهُم كِتَابٌ محذوف، تقديره: ولما جاءهم
(٢) ينظر ما رواه الطبري في "تفسيره" ١/ ٤١٠ - ٤١٠، ابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ١٧١ - ١٧٢، وأبو نعيم في "الدلائل" ١/ ١٩.
(٣) في (م): (فلم).
(٤) المنوان: تثنية مَنَا وهو كيل أو ميزان يساوي رطلين ويثنى على منوان، ومنيان ويجمع على: أمْنَاءٍ، وأمْنٍ، ومُنِيٍّ ومِنِيٍّ. ينظر: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٤٥٤ مادة (منا)، و"القاموس" ١٧٢٢ و"المجموع شرح المهذب" ٩/ ٣٤٧.
(٥) في (م) و (ش): (يبعث نبيا في آخر الزمان).
(٦) ينظر: "تفسير الطبري" ١/ ٤١١ - ٤١٢، ابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ١٧٢.
كتاب من عند الله جحدوه، وحذف لأنه معروف، دل عليه فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، هذا قول أبي إسحاق (١).
وقال الفراء: جوابه في الفاء في قوله: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا، وفيه أيضا معنى الابتداء. و (كفروا) بما فيه من جوابهما جميعًا، والعرب تجيب كلامين بجواب واحد، كقولهم: ما هو إلا أن يأتي عبد الله فلما قعد أكرمته (٢) (٣).
والدليل على هذا: أن الواو لا تجوز في موضع الفاء في قوله: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كما جاز في ابتداء الآية، فذلك دليل على أنها جواب وليست بنسق.
ومثل هذا في كون الفاء جوابًا قوله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى [طه: ١٢٣] فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ (٤) صار كأنه جواب لـ"إما"، ألا ترى أن الواو لا تصلح في موضع الفاء هنا.
وقال محمد بن يزيد (٥) قوله: فَلَمَّا جَاءَهُمْ تكرير للأول؛ لأن
(٢) قال الفراء: ما هو إلا أن أتاني عبد الله فلما قعد أوسعت له وأكرمته.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ١/ ٥٩ بتصرف، وذكره الطبري في تفسيره ١/ ٤١٢ - ٤١٣، ونسبه إليه في "البحر المحيط" ١/ ٣٠٣، وقال: وأما قول الفراء، فلم يثبت من لسانهم: لما جاء زيد فلما جاء خالد أقبل جعفر، فهو تركيب مفقود في لسانهم فلا نثبته، ولا حجة في هذا المختلف فيه، فالأولى أن يكون الجواب محذوفًا لدلالة المعنى عليه.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) أي المبرد، ينظر: "البحر المحيط" ١/ ٣٠٣.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي