أخرج إسحاق بن راهويه في مسنده وابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم وابن جرير من طرق عن الشعبي عن عمر أنه كان يأتي اليهود فيسمع من التوراة فيتعجب كيف يصدق ما في القرآن، قال : فمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت نشدتكم بالله أتعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال عالمهم : نعم نعلم أنه رسول الله، قلت فلم لا تتبعونه ؟ قالوا : سألناه من يأتيه بنبوته فقال : عدونا جبرائيل لأنه ينزل بالغلظة والشدة والحرب والهلاك، قلت : فمن سلمكم من الملائكة ؟ قالوا : ميكائيل ينزل بالقطر والرحمة، قلت وكيف منزلتهما من ربهما ؟ قالوا : أحدهما عن يمينه والآخر بالجانب الآخر، قلت : فإنه لا يحل لجبرائيل أنه يعادي ميكائيل ولا يحل لميكائيل أن يسالم جبرائيل وإني أشهد أنهما وربهما سلم لمن سالموا وحرب لمن حاربوا، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أريد أن أخبره فلما لقيته قال : ألا أخبرك بآيات نزلت علي فقرأ قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ حتى بلغ الكافرين قلت : يا رسول الله ما قمت من عند اليهود إلا إليك لأخبرك بما قالوا لي وقلت لهم فوجدت الله قد سبقني » وإسناده صحيح إلى الشعبي واعتضد الطرق بعضها ببعض لكن الشعبي لم يدرك عمر. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق آخر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن يهوديا لقي عمر بن الخطاب فقال إن جبرائيل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا، فقال عمر : من كان عدوا له وملائكته ورسله وجبريل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا، فقال عمر : من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدوه، قال فنزلت على لسان عمر، وقد نقل ابن جرير الإجماع على أن سبب نزول الآية ذلك. وروى البخاري عن أنس قال : سمع عبد الله بن سلام مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أرض يحترف فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، ما أول أشراط الساعة ؟ وما أول طعام أهل الجنة ؟ وما ننزع الولد إلى أبيه وإلى أمه ؟ قال : أخبرني بهن جبرائيل آنفا، قال نعم، قال ذلك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية*. قال الشيخ ابن حجر ظاهر السياق أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الآية ردا على قول اليهود ولا يستلزم ذلك نزولها حينئذ وهذا هو المعتمد، وأخرج أحمد و الترمذي والنسائي من طريق بكير بن شهاب عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال : أقبلت اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا أبا القاسم إنا نسألك عن خمسة أشياء فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي فذكر الحديث، وفيه أنهم سألوا عما حرم إسرائيل على نفسه وعن علامة النبي وعن الرعد وصوته وكيف تذكر المرأة وتؤنث وعمن يأتيه بخبر السماء إلى أن قالوا فأخبرنا من صاحبك ؟ قال : جبرائيل، قالوا : ذلك ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان فنزلت. وقال البغوي بلا سند بلا سند أنه قال ابن عباس : إن حبرا من الأحبار يقال له عبد الله بن صوريا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أي ملك يأتيك من السماء ؟ قال : جبرئيل، قال : ذاك عدونا من الملائكة ولو كان ميكائيل لآمنا بك إن جبرئيل عادانا مرارا أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخرب على يد رجل يقال له بخت نصر وأخبرنا بوقته فبعثنا رجلا ليقتل بخت نصر حين كان غلاما مسكينا ببابل فدفع عنه جبرائيل وكبر بخت نصر وخرب بيت المقدس. وقال مقاتل : قالت اليهود إن جبرئيل عدونا لأنه أمر أن يجعل النبوة فينا فجعل في غيرنا، قلت ولعل القصتين وقعتا معا قبل نزول الآية. لقي عمر مع اليهود فكلمهم ما كلمهم ولقي اليهود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت فكلموه فنزل الآية. قرأ ابن كثير جِبْرِيل هنا في الموضعين وفي التحريم بفتح الجيم وكسر الراء من غيرهم، وقرأ أبو بكر بفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة من غير ياء جَبْرَئِلَ، وقرأ حمزة والكسائي مثله إلا أنهما يجعلان ياء بعد الهمزة جَبْرَءِيْلَ والباقون بكسر الجيم والراء من غير ذكر المرجع لفخامة شأن وتبادر الذهن إليه كأنه لم يحتج إلى سبق في الذكر على قلبك يا محمد، فإن القابل للوحي أولا القلب وكان الحق قلبي ولكنه جرى على حكاية كلام الله تعالى بإذن الله بأمره حال من فاعل نزل مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ أحوال من مفعوله والظاهر أنه جواب الشرط فإنه نزَّله والمعنى من كان عدوا لجبرئيل فإنه خلع عن عنقه ربقة الإنصاف وكفر بما معه من الكتاب لأن جبرئيل نزل القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتاب فحذف الجواب وأقيم علته مقامه، أو المعنى من عاداه فالسبب في عداوته أنه نزل عليه، وقيل : جواب الشرط محذوف فليمت غيظا، أو فهو عدو معاداة الواحد والكل سواء في الكفر واستجلاب العداوة من الله تعالى، قرأ حفص ويعقوب وأبو عمرو ميكائيل بغير همز ولا ياء، ونافع بهمزة بلا ياء ميكائيل والباقون بالياء بعد الهمز بِيْكائِيلَ.
التفسير المظهري
المظهري