ﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛ

كَمَا فَنَّدَ مَا قَبْلَهَا، وَهِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ الَّذِي يَنْزِلُ بِالْوَحْيِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - عَدُوُّهُمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ بِوَحْيٍ يَجِيءُ هُوَ بِهِ. وَقَدْ جَاءَ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ رِوَايَاتٌ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ.
مِنْهَا: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ صُورِيَّا مِنْ عُلَمَائِهِمْ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمَلَكِ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ فَقَالَ: هُوَ جِبْرِيلُ، فَزَعَمَ أَنَّهُ عَدُوُّ الْيَهُودِ، وَذَكَرَ مِنْ عَدَاوَتِهِ أَنَّهُ أَنْذَرَهُمْ خَرَابَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَكَانَ، وَمِنْهَا: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - دَخَلَ مِدْرَاسَهَمْ، فَذَكَرَ جِبْرِيلَ، فَقَالُوا: ذَاكَ عَدُوُّنَا، يُطْلِعُ مُحَمَّدًا عَلَى أَسْرَارِنَا، وَأَنَّهُ صَاحِبُ كُلِّ خَسْفٍ وَعَذَابٍ، وَمِيكَائِيلُ صَاحِبُ الْخِصْبِ وَالسَّلْمِ... إِلَخْ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُرَاءٌ، وَخَطَلُهُ بَيِّنٌ، وَإِنَّمَا عُنِيَ الْقُرْآنُ بِذِكْرِهِ وَرَدِّهِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْذِنٌ بِتَعَنُّتِهِمْ وَعِنَادِهِمْ، وَشَاهِدٌ عَلَى فَسَادِ تَصَوُّرِهِمْ وَعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ؛ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ مَا يَقُولُ أَهْلُ الْكِتَابِ فِيهِ أَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِأَقْوَالِهِمْ وَلَا اعْتِدَادَ بِمِرَائِهِمْ وَجِدَالِهِمْ.
قَالَ - تَعَالَى -: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ) أَيْ قُلْ لَهُمْ أَيُّهَا الرَّسُولُ حِكَايَةً عَنِ اللهِ - تَعَالَى -: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ، فَإِنَّ شَأْنَ جِبْرِيلَ كَذَا؛ فَهُوَ إذًا عَدُوٌّ لِوَحْيِ اللهِ الَّذِي يَشْمَلُ التَّوْرَاةَ وَغَيْرَهَا وَلِهِدَايَةِ اللهِ - تَعَالَى - لِخَلْقِهِ وَبُشْرَاهُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَيَانِ ذَلِكَ. قَالَ شَيْخُنَا فِي تَقْيِيدِ تَنْزِيلِهِ (بِإِذْنِ اللهِ) : وَإِذَا كَانَ يُنَاجِي رُوحَكَ وَيُخَاطِبُ قَلْبَكَ بِإِذْنِ اللهِ لَا افْتِيَاتًا مِنْ نَفْسِهِ، فَعَدَاوَتُهُ لَا يَصِحُّ أَنْ تَصُدَّ عَنِ الْإِيْمَانِ بِكَ، وَلَيْسَ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَتَّخِذَهَا تَعِلَّةً وَيَنْتَحِلَهَا عُذْرًا، فَإِنَّ الْقُرْآنَ مِنْ عِنْدِ اللهِ لَا مِنْ عِنْدِهِ. فَقَوْلُهُ: (بِإِذْنِ اللهِ) حُجَّةٌ أُولَى عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مُوَافِقًا لِلْكُتُبِ الَّتِي تَقَدَّمَتْهُ فِي الْأُصُولِ الَّتِي تَدْعُو إِلَيْهَا مِنَ التَّوْحِيدِ وَاتِّبَاعِ الْحَقِّ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَمُطَابِقًا لِمَا فِيهَا مِنَ الْبِشَارَاتِ بِالنَّبِيِّ الَّذِي يَجِيءُ مِنْ أَبْنَاءِ إِسْمَاعِيلَ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: فَآمِنُوا بِهِ لِهَذِهِ الْمُطَابَقَةِ وَالْمُوَافَقَةِ، لَا لِأَنَّ جِبْرِيلَ وَاسِطَةٌ فِي تَبْلِيغِهِ وَتَنْزِيلِهِ، وَهَذِهِ حُجَّةٌ ثَانِيَةٌ، ثُمَّ عَزَّزَهَا بِثَالِثَةٍ وَهِيَ قَوْلُهُ: (وَهُدًى) أَيْ: نَزَّلَهُ هَادِيًا مِنَ الضَّلَالَاتِ وَالْبِدَعِ الَّتِي طَرَأَتْ عَلَى الْأَدْيَانِ، فَأَلْقَتْ أَهْلَهَا فِي حَضِيضِ الْهَوَانِ، وَالْعَاقِلُ لَا يَرْفُضُ الْهِدَايَةَ الَّتِي تَأْتِيهِ وَتُنْقِذُهُ مِنْ ضَلَالٍ هُوَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْوَاسِطَةَ فِي مَجِيئِهَا كَانَ عَدُوًّا لَهُ مِنْ
قَبْلُ، فَإِنَّ هَذَا الرَّفْضَ مِنْ عَمَلِ الْغَبِيِّ الْجَاهِلِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الْخَيْرَ بِذَاتِهِ وَإِنَّمَا يَعْرِفُهُ بِمَنْ كَانَ سَبَبًا فِي حُصُولِهِ. ثُمَّ أَيَّدَ الْحُجَجَ الثَّلَاثَ بِرَابِعَةٍ، فَقَالَ: (وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) أَيْ: إِذَا كُنْتُمْ تُعَادُونَ جِبْرِيلَ لِأَنَّهُ أَنْذَرَ بِخَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَهُوَ إِنَّمَا أَنْذَرَ الْمُفْسِدِينَ، وَقَدْ أُنْزِلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَيَّ بُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ، فَمَا لَكُمَ أَنْ تَتْرُكُوا هَذِهِ الْبُشْرَى إِنْ كُنْتُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِيْمَانِ، لِأَنَّ الَّذِي نَزَلَ بِهَا قَدْ نَزَلَ بِإِنْذَارِ أَهْلِ الْفَسَادِ وَالطُّغْيَانِ.
وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ فِي الْآيَةِ: أَنَّ جِبْرِيلَ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ مُرَكَّبٌ مِنْ " جِبْرَ " وَمَعْنَاهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ أَوِ السِّرْيَانِيَّةِ: الْقُوَّةُ، وَمِنْ " إِيلَ "، وَمَعْنَاهُ: الْإِلَهُ، أَيْ قُوَّةُ اللهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عَبْدُ اللهِ. وَفِيهِ ١٣ لُغَةً مِنْهَا ثَمَانِ لُغَاتٍ قُرِئَ بِهِنَّ، أَرْبَعٌ فِي الْمَشْهُورَاتِ: جَبْرَئِيلُ كَسَلْسَبِيلٍ، قَرَأَ بِهَا حَمْزَةُ

صفحة رقم 324

وَالْكِسَائِيُّ، وَجِبْرَيِلُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَحَذْفِ الْهَمْزَةِ قَرَأَ بِهَا ابْنُ كَثِيرٍ وَالْحَسَنُ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ، وَجَبْرَئِلُ كَجَحْمَرِشٍ قَرَأَ بِهَا عَاصِمٌ بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَجِبْرِيلُ كَقِنْدِيلٍ قَرَأَ بِهَا الْبَاقُونَ. وَأَرْبَعٌ فِي الشَّوَاذِّ: جَبْرَإِلُ، وَجَبْرَائِيلُ، وَجَبْرِئْلُ، وَجَبْرِينُ.
وَمِنْهَا أَنَّ قَوْلَهُ: (نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ) وَرَدَ عَلَى طَرِيقِ الْالْتِفَاتِ عَنِ التَّكَلُّمِ إِلَى الْخِطَابِ إِذْ كَانَ مُقْتَضَى السِّيَاقِ أَنْ يَقُولَ: (نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِي) وَقَدْ قَالُوا فِي نُكْتَتِهِ: إِنَّهَا حِكَايَةُ مَا خَاطَبَهُ اللهُ - تَعَالَى - بِهِ. وَلَا أَرَى صَاحِبَ الذَّوْقِ السَّلِيمِ إِلَّا مُسْتَنْكِرًا صِيغَةَ التَّكَلُّمِ فِي هَذَا الْمُقَامِ، وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ لَا تَبْعُدُ عَنِ الْأَفْهَامِ، وَمِنْهَا أَنَّ الضَّمِيرَ الْمَنْصُوبَ الْبَارِزَ فِي (نَزَّلَهُ) لِلْقُرْآنِ وَهُوَ لَمْ يُذْكَرْ فِيمَا قَبْلَهَا، وَإِنَّمَا عَيَّنَتْهُ قَرِينَةُ الْحَالِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى فَخَامَةِ شَأْنِهِ، كَأَنَّهُ لِشُهْرَتِهِ قَدِ اسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ (قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ).
أَقَامَ الْحُجَجَ عَلَى حَمَاقَتِهِمْ وَسُخْفِهِمْ فِي دَعْوَى عَدَاوَةِ جِبْرِيلَ، وَبَيَانِ أَنَّهَا لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مَانِعَةً مِنَ الْإِيْمَانِ بِكِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللهُ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ الَّتِي طُوِيَتْ فِيهَا الْحُجَجُ، ثُمَّ بَيَّنَ فِي آيَةٍ أُخْرَى حَقِيقَةَ حَالِهِمْ فِي هَذِهِ الْعَدَاوَةِ فَقَالَ: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ) بِكُفْرِهِ بِمَا يُنْزِلُهُ مِنَ الْهِدَايَةِ (وَمَلَائِكَتِهِ) بِرَفْضِ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ الَّذِي فُطِرُوا عَلَيْهِ، وَكَرَاهَةِ الْقِيَامِ بِمَا يَعْهَدُ بِهِ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ - عَزَّ وَجَلَّ -؛ لِأَنَّهُمْ (لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (٦٦: ٦)، (وَرُسُلِهِ) بِتَكْذِيبِ بَعْضٍ وَقَتْلِ بَعْضٍ (وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) بِأَنَّ الْأَوَّلَ يَنْزِلُ بِالْآيَاتِ وَالنُّذُرِ، وَمَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَهُوَ عَدُوٌّ لِمِيكَالَ؛ لِأَنَّ
فِطْرَتَهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَقِيقَتَهُمَا وَاحِدَةٌ، مَنْ مَقَتَهَا وَعَادَاهَا فِي أَحَدِهِمَا فَقَدْ عَادَاهَا فِي الْآخَرِ (فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) أَيْ مَنْ عَادَى اللهَ وَعَادَى هَؤُلَاءِ الْمُقَرَّبِينَ مِنَ اللهِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ رَحْمَةً لِخَلْقِهِ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ بِاللهِ وَمُعَادٍ لَهُ، وَاللهُ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ أَيْ يُعَامِلُهُمْ مُعَامَلَةَ الْأَعْدَاءِ لِلْأَعْدَاءِ، وَهُمُ الظَّالِمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ إِذْ دَعَاهُمْ فَلَمْ يَقْبَلُوا أَنْ يَكُونُوا مَعَ الْأَوْلِيَاءِ (وَمِيكَالَ) بِوَزْنِ مِيعَادٍ قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو وَيَعْقُوبَ وَعَاصِمٍ بِرِوَايَةِ حَفْصٍ، وَقَرَأَ نَافِعٌ (مِيكَائِلَ)، وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ عَامِرٍ (مِيكَائِيلَ) وَفِي الشَّوَاذِّ: مِيكَئِلُ، وَمِيكَئِيلُ؛ وَمِيكَايِيلُ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: هَذَا وَعِيدٌ لَهُمْ بَعْدَ بَيَانِ فَسَادِ الْعِلَّةِ الَّتِي جَاءُوا بِهَا، وَهُمْ لَمْ يَدَّعُوا عَدَاوَةَ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ وَلَكِنَّهُمْ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ حَقِيقَةَ حَالِهِمْ فِي الْوَاقِعِ، وَهِيَ أَنَّهُمْ أَعْدَاءُ الْحَقِّ وَأَعْدَاءُ كُلِّ مَنْ يُمَثِّلُهُ وَيَنْقُلُهُ وَيَدْعُو إِلَيْهِ، فَالتَّصْرِيحُ بِعَدَاوَةِ جِبْرِيلَ كَالتَّصْرِيحِ بِعَدَاوَةِ مِيكَالَ الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَهُ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيِّ، لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي يَنْزِلُ بِالْوَحْيِ عَلَيْهِ. وَمُعَادَاةُ الْقُرْآنِ كَمُعَادَاةِ سَائِرِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْجَمِيعِ وَاحِدٌ. وَمُعَادَاةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمُعَادَاةِ سَائِرِ رُسُلِ اللهِ؛ لِأَنَّ وَظِيفَتَهُمْ وَاحِدَةٌ، فَقَوْلُهُمُ السَّابِقُ وَحَالُهُمْ يَدُلَّانِ عَلَى مُعَادَاةِ كُلِّ مَنْ ذَكَرَ، وَهَذَا مِنْ ضُرُوبِ إِيجَازِ الْقُرْآنِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا.
وَفِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: (لِلْكَافِرِينَ) وَضْعٌ لِلْمُظْهَرِ فِي مَوْضِعِ الْمُضْمَرِ؛ لِبَيَانِ أَنَّ سَبَبَ عَدَاوَتِهِ

صفحة رقم 325

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني

الناشر 1990 م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية