ﮥﮦﮧﮨﮩ

قوله :«قَوْمَ فِرْعَوْنَ ». بدل(١) أو عطف بيان ل «القَوْمَ الظَّالِمِينَ »(٢). وقال أبو البقاء : إنه مفعول ( تَتَّقُونَ ) على قراءة من قرأ ( تَتَّقُونَ ) بالخطاب وفتح النون(٣)، كما سيأتي. ويجوز على هذه القراءة أن يكون منادى(٤). قوله :«أَلاَ يَتَّقُونَ ». العامة على الياء في «يَتَّقُونَ » وفتح النون، والمراد قوم فرعون، والمفعول محذوف، أي : يتقون عقابي، [ وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار، وحماد(٥)، وشقيق بن سلمة(٦) بالتاء من فوق(٧) على الالتفات، خاطبهم بذلك توبيخاً ](٨) (٩) والتقدير : يا قوم فرعون(١٠).
وقرأ بعضهم :«يَتَّقُونِ » بالياء من تحت، وكسر النون(١١)، وفيها تخريجان :
أحدهما : أن «يَتَّقُونِ » مضارع، ومفعوله ياء المتكلم اجتزئ عنها بالكسرة(١٢).
والثاني : جوَّزه الزمخشري، أن تكون «يا » للنداء، و «اتَّقُونِ » فعل أمر، كقوله : أَلاَّ يَسْجُدُوا للَّهِ (١٣) أي : يا قوم اتقون(١٤)، أو يا ناس اتقون. وسيأتي تحقيق مثل هذا في السورة تحتها(١٥). وهذا تخريج بعيد(١٦).
وفي هذه الجملة وجهان :
أحدهما : أنها مستأنفة لا محل لها من الإعراب(١٧).
وجوّز الزمخشري أَن تكون حالاً من الضمير في «الظَّالِمِينَ » أي : يظلمون غير متَّقين اللَّهَ وعقابَه، فأُدخلت همزةُ الإنكار على الحال(١٨). وخطأه أبو حيان من وجهين :
أحدهما : أنه يلزم عنه الفصل بين الحال وعاملها بأجنبي منهما، فإن أعرب «قَوْمَ فِرْعَوْنَ » عطف بيان ل «القَوْمَ الظَّالمينَ ».
والثاني : أنه على تقدير تسليم ذلك لا يجوز أيضاً ؛ لأن ما بعد الهمزة لا يعمل فيما قبلها، قال : وقولك :( جئتُ أمسرعاً )(١٩)، إن جعلت ( مسرعاً ) معمولاً ل ( جئت ) لم يجز، فإن أضمرت عاملاً جاز(٢٠). والظاهر أن «أَلاَ » للعرض(٢١).
وقال الزمخشري : إنها ( لا ) النافية، دخلت عليها همزة الإنكار(٢٢). وقيل : هي للتنبيه(٢٣).

فصل(٢٤) :


قوله(٢٥) : وَإِذْ نادى رَبُّكَ موسى حين رأى الشجرة والنار أَنِ ائت القوم الظالمين أي : الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، فحكم عليهم بالظلم من وجهين :
الأول : ظلموا أنفسهم بكفرهم.
والثاني : ظلمهم بني إسرائيل(٢٦) باستعبادهم وسومهم سوء العذاب(٢٧). «قَوْمَ فِرْعَوْنَ » عطف «قَوْمَ فِرْعَوْنَ » على «القَوْمَ الظَّالِمينَ » فهما يدلان لفظاً على معنى واحد(٢٨). «أَلاَ يَتَّقُونَ » أي : يصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته. ومن قرأ «تَتَّقُونَ » بالخطاب(٢٩) فعلى الإلتفات إليهم وصرف(٣٠) وجوههم بالإنكار والغضب عليهم، كمن يشكو من جناية والجاني حاضر، فإذا اندفع في الشكاية، وحمي غضبه قطع بأنه يخاطب صاحبه، وأقبل على الجاني يوبخه ويعنفه ويقول له : ألم تتق الله ؟ ألم تستحي من الناس ؟ فإن قيل : فما الفائدة في هذا الالتفات والخطاب مع موسى - عليه السلام(٣١) - في وقت المناجاة، والملتفت إليهم غائبون لا يشعرون ؟. قلنا : أجري ذلك في تكليم المرسل(٣٢) إليهم معنى إجرائه بحضرتهم وإلقائه إلى مسامعهم، لأنه مبلغهم(٣٣)، وله فيه لطف وحث على زيادة التقوى، وكم من آية نزلت في الكافرين وفيها أوفر نصيب للمؤمنين تدبراً بها، واعتباراً بمواردها(٣٤).
١ انظر التبيان ٢/٩٩٤، القرطبي ١٣/٩١..
٢ انظر الكشاف ٣/١٠٨..
٣ حكاه أبو البقاء، فإنه قال: ( وقيل: هو مفعول "يتقون") التبيان ٢/٩٩٤..
٤ المرجع السابق..
٥ هو حماد بن سلمة بن دينار أبو سلمة البصري، الإمام الكبير، روى عن عاصم، وابن كثير، وروى عنه حجاج بن المنهال، وغيره، مات سنة ١٦٧ هـ. طبقات القراء ١/٢٥٨..
٦ هو شقيق بن سلمة أبو وائل الكوفي الأسدي، أدرك زمن النبي- صلى الله عليه وسلم عرض على عبد الله بن مسعود، وروى عنه الأعمش. مات سنة ٨٢ هـ. طبقات القراء ١/٣٢٨..
٧ أي: "تتقون"، وخرجها ابن جني على إضمار قول، أي: قل لهم: ألا تتقون. انظر المحتسب ٢/١٢٧، وتفسير ابن عطية ١١/٩٣، البحر المحيط ٧/٧..
٨ انظر الكشاف ٣/١٠٨، البحر المحيط ٧/٧..
٩ ما بين القوسين تكملة من الدر المصون ٥/١٥١..
١٠ انظر التبيان ٢/٩٩٤..
١١ قال ابن خالويه: ("ألا يتقون" بكسر النون أجازه عيسى ) المختصر (١٠٦)..
١٢ قال الزمخشري: قرىء "ألا يتقون" بكسر النون، بمعنى: ألا يتقونني، فحذفت النون، لاجتماع النونين، والياء للاكتفاء بالكسرة) الكشاف ٣/١٠٨..
١٣ في ب: "ألا يسجدوا" [النمل: ٢٥]، وما في الأصل قراءة الكسائي، وما في ب: قراءة الباقين..
١٤ قال الزمخشري: وفي "ألا يتقون" بالياء وكسر النون وجه آخر وهو أن يكون المعنى: ألا يا ناس اتقون، كقوله: "ألا يسجدوا". الكشاف ٣/١٠٨..
١٥ أي: في السورة التي بعدها، وهي سورة النمل..
١٦ قال أبو حيان: ( وهو تخريج بعيد والظاهر أن (ألا) للعرض المضمن الحضّ على التقوى) البحر المحيط ٧/٧..
١٧ انظر الكشاف ٣/١٠٨..
١٨ المرجع السابق..
١٩ في النسختين: جئت مسرعاً. والتصويب من البحر المحيط..
٢٠ انظر البحر المحيط ٧/٧..
٢١ هو قول أبي حيان. البحر المحيط ٧/٧..
٢٢ تابع ابن عادل هنا أبا حيان في النقل عن الزمخشري، وعبارة الزمخشري هي: ( ويحتمل أن يكون "لا يتقون" حالاً من الضمير في "الظالمين" أي: يظلمون غير متقين الله وعقابه، فأدخلت همزة الإنكار على الحال) الكشاف ٣/١٠٨..
٢٣ فيكون المعنى: قل لهم: ألا تتقون. انظر القرطبي ٩١١٣. وقال أبو حيان: ( وقول من قال: إنها للتنبيه لا يصح) البحر المحيط ٧/٧..
٢٤ فصل: سقط من ب..
٢٥ قوله: سقط من الأصل..
٢٦ إسرائيل: سقط من ب..
٢٧ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٢١..
٢٨ المرجع السابق..
٢٩ وهي قراءة عبد الله بن مسلم بن يسار، وحماد، وشقيق بن سلمة..
٣٠ في النسختين: وضرب. والتصويب عن الفخر الرازي..
٣١ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٢ في النسختين: الرسل. والتصويب من الفخر الرازي..
٣٣ في النسختين: مبلغه. والتصويب من الفخر الرازي..
٣٤ انظر: الفخر الرازي ٢٤/١٢٢..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية