وَأَصْلُهَا:
لَوْ أُرْجِعْنَا إِلَى الدُّنْيَا لَآمَنَّا، لَكِنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْصِدُ تَعْلِيقَ الِامْتِنَاعِ عَلَى امْتِنَاعٍ تَمَحَّضَتْ (لَوْ) لِلتَّمَنِّي لِمَا بَيْنَ الشَّيْءِ الْمُمْتَنِعِ وَبَيْنَ كَوْنِهِ مُتَمَنًّى مِنَ الْمُنَاسَبَةِ. وَالْكَرَّةُ: مَرَّةٌ مِنَ الْكَرِّ وَهُوَ الرُّجُوع.
وانتصب فَنَكُونَ فِي جَوَاب التمنّي.
[١٠٣، ١٠٤]
[سُورَة الشُّعَرَاء (٢٦) : الْآيَات ١٠٣ إِلَى ١٠٤]
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)
تَكْرِيرٌ ثَالِثٌ لَهَاتِهِ الْجُمْلَةِ تَعْدَادًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَتَسْجِيلًا لِتَصْمِيمِهِمْ. وَاسْمُ الْإِشَارَةِ إِشَارَةٌ إِلَى كَلَامِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّ فِيهِ دَلِيلًا بَيِّنًا عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَبُطْلَانِ إِلَهِيَّةِ الْأَصْنَامِ، فَكَمَا لَمْ يَهْتَدِ بِهَا قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ فَمَا كَانَ أَكْثَرُ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ بِمُؤْمِنِينَ بِهَا بَعْدَ سَمَاعِهَا، وَلَكِنَّ التَّبْلِيغَ حَقٌّ عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى نَظِيرِ هَذِه الْآيَة.
[١٠٥- ١١٠]
[سُورَة الشُّعَرَاء (٢٦) : الْآيَات ١٠٥ إِلَى ١١٠]
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٩)
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠)
اسْتِئْنَافٌ لتسلية الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ناشىء عَنْ قَوْلِهِ: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [الشُّعَرَاء:
١٠٣] أَيْ لَا تَأْسَ عَلَيْهِمْ وَلَا يَعْظُمُ عَلَيْكَ أَنَّهُمْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ وَقَدْ عَلِمَ الْعَرَبُ رِسَالَةَ نُوحٍ، وَكَذَلِكَ شَأْنُ أَهْلِ الْعُقُولِ الضَّالَّةِ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ الْأَحْوَالَ وَيَنْسَوْنَ أَسْبَابَهَا.
وَأُنِّثَ الْفِعْلُ الْمُسْنَدُ إِلَى قَوْمِ نُوحٍ لِتَأْوِيلِ قَوْمُ بِمَعْنَى الْأُمَّةِ أَوِ الْجَمَاعَةِ كَمَا
يُقَالُ:
قَالَتْ قُرَيْشٌ (١)، وَقَالَتْ بَنُو عَامِرٍ (٢)، وَذَلِكَ قِيَاسٌ فِي كُلِّ اسْمِ جَمْعٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ
إِذَا كَانَ لِلْآدَمِيِّ مِثْلُ نَفَرٍ وَرَهْطٍ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ لِغَيْرِ الْآدَمِيِّينَ نَحْوُ إِبِلٍ فَمُؤَنَّثٌ لَا غَيْرُ. قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَتَبِعَهُ صَاحب «اللِّسَان» و «الْمِصْبَاح».
وَوَقَعَ فِي «الْكَشَّافِ» هَذِهِ الْعِبَارَةُ «الْقَوْمُ مُؤَنَّثَةٌ وَتَصْغِيرُهَا قُوَيْمَةُ» فَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مُؤَنَّثُ الْمَعْنَى فِي الِاسْتِعْمَالِ لَا غَيْرُ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ وَسَكَتَ شُرَّاحُهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُعَرِّجِ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلَيْهِ فِي «الْأَسَاسِ» فَإِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْجَوْهَرِيِّ وَابْنُ سِيدَهْ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ جَوَازَ تَأْنِيثِ (قَوْمٍ) وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَغَّرَ عَلَى قُوَيْمَةَ فَيُجْمَعُ بَيْنَ كَلَامِهِ وَكَلَامِ الْجَوْهَرِيِّ وَابْنِ سِيدَهْ، وَهُوَ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِهِ الْمُوَكَّدِ بِقَوْلِهِ: وَتَصْغِيرُهُ قُوَيْمَةُ، لِمَا هُوَ مُقَرَّرٌ مِنْ أَنَّ التَّصْغِيرَ يَرُدُّ الْأَسْمَاءَ إِلَى أُصُولِهَا. وَأَيًّا مَا كَانَ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ تَأْنِيثَهُ لَيْسَ بِتَأْوِيلِهِ بِمَعْنَى الْأُمَّةِ لِأَنَّ التَّأْوِيلَ اعْتِبَارٌ لِلْمُتَكَلِّمِ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَثَرٌ فِي إِجْرَاءِ الصِّيَغِ مِثْلَ التَّصْغِيرِ، فَإِنَّ الصِّيَغَ مِنْ آثَارِ الْوَضْعِ دُونَ الِاسْتِعْمَالِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا تُجْعَلُ لِلْمَعَانِي الْمَجَازِيَّةِ صِيَغٌ خَاصَّةٌ بِالْمَجَازِ.
وَجُمِعَ الْمُرْسَلِينَ وَإِنَّمَا كَذَّبُوا رَسُولًا وَاحِدًا أَوَّلَ الرُّسُلِ وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ رَسُولٌ وَهُمْ أَوَّلُ الْمُكَذِّبِينَ، فَإِنَّمَا جُمِعَ لِأَنَّ تَكْذِيبَهُمْ لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ ذَاتِهِ وَلَكِنَّهُ كَانَ لِإِحَالَتِهِمْ أَنْ يُرْسِلَ اللَّهُ بَشَرًا، وَأَنْ تَكُونَ عِبَادَةُ أَصْنَامِهِمْ ضَلَالًا فَكَانَ تَكْذِيبُهُمْ إِيَّاهُ مُقْتَضِيًا تَكْذِيبَ كُلِّ رَسُولٍ لِأَنَّ كُلَّ رَسُولٍ يَقُولُ مِثْلَ مَا قَالَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلِذَلِكَ تَكَرَّرَ فِي قَوْلِهِ: كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ [الشُّعَرَاء: ١٢٣] وَمَا بَعْدَهُ. وَقَدْ حُكِيَ تَكْذِيبُهُمْ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا فِي قَوْلِهِ:
أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ فِي الْأَعْرَافِ [٦٣].
وَسَيَأْتِي حِكَايَةُ تَكْذِيبِ عَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ لُوطٍ وَأَصْحَابِ لَيْكَةِ عَلَى هَذَا النَّمَطِ فِيمَا تَكَرَّرَ مِنْ قَوْلِهِ: كَذَّبَتْ وَقَوْلِهِ: الْمُرْسَلِينَ.
_________
(١) أَشرت إِلَى قَول الشَّاعِر:
| إِذا قتلنَا وَلم يثأر لنا أحد | قَالَت قُرَيْش أَلا تِلْكَ الْمَقَادِير |
| قَالَت بَنو عَامر خانوا بني أَسد | يَا بؤس للْجَهْل ضِرَارًا لأقوام |