ﮫﮬﮭﮮﮯﮰ ﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ ﯜﯝﯞﯟﯠﯡ

وَكَفَى فِي الْوَقْتِ أَنْ يُحَمِّلَهُ الرِّسَالَةَ الَّتِي هِيَ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لِأَنَّ فِي بَدْءِ الْبَعْثَةِ يَجِبُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالدُّعَاءِ إِلَى التَّوْحِيدِ، ثُمَّ بَعْدَهُ يَأْمُرُهُ بِالْأَحْكَامِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَهُ تَعَالَى بِذَلِكَ إِلَّا وَقَدْ عَرَّفَهُ أَنَّهُ سَتَظْهَرُ عَلَيْهِ الْمُعْجِزَاتُ إِذَا طُولِبَ بِذَلِكَ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى سَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، وَقَدِ اسْتَحَقُّوا هَذَا الِاسْمَ مِنْ وَجْهَيْنِ مِنْ وَجْهِ ظُلْمِهِمْ أَنْفُسَهُمْ بِكُفْرِهِمْ، وَمِنْ وَجْهِ ظُلْمِهِمْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ.
أَمَّا قَوْلُهُ: قَوْمَ فِرْعَوْنَ فَقَدْ عَطَفَ (قَوْمَ فِرْعَوْنَ) عَلَى (الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) عَطْفَ بَيَانٍ، كَأَنَّ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وَقَوْمَ فِرْعَوْنَ لَفْظَانِ يَدُلَّانِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَلا يَتَّقُونَ فقرىء (أَلَا يَتَّقُونِ) بِكَسْرِ النُّونِ، بِمَعْنَى أَلَا يَتَّقُونَنِي، فَحُذِفَتِ النُّونُ لِاجْتِمَاعِ النُّونَيْنِ وَالْيَاءُ لِلِاكْتِفَاءِ بِالْكَسْرَةِ، وَقَوْلُهُ: أَلا يَتَّقُونَ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ أَتْبَعَهُ تَعَالَى إِرْسَالَهُ إِلَيْهِمْ لِلْإِنْذَارِ وَالتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، تَعْجِيبًا لموسى عليه السلام من حالهم [التي شفت] «١» فِي الظُّلْمِ وَالْعَسْفِ، وَمِنْ أَمْنِهِمُ الْعَوَاقِبَ وَقِلَّةِ خوفهم [وحذرهم من أيام اللَّه]، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَلا يَتَّقُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي (الظَّالِمِينَ) / أَيْ يَظْلِمُونَ غَيْرَ مُتَّقِينَ اللَّه وَعِقَابَهُ، فَأُدْخِلَتْ هَمْزَةُ الْإِنْكَارِ عَلَى الْحَالِ، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَلَا يا ناس اتقون، كقوله: (ألا يسجدوا) «٢». وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ (أَلَا تَتَّقُونَ) عَلَى الْخِطَابِ، فَعَلَى طَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِمْ وَصَرْفِ وُجُوهِهِمْ بِالْإِنْكَارِ وَالْغَضَبِ عَلَيْهِمْ، كَمَا يَرَى مَنْ يَشْكُو مِمَّنْ رَكِبَ جِنَايَةً وَالْجَانِي حَاضِرٌ، فَإِذَا انْدَفَعَ فِي الشِّكَايَةِ وَحَمِيَ غَضَبُهُ، قَطَعَ مُبَاثَةَ صَاحِبِهِ وَأَقْبَلَ عَلَى الْجَانِي يُوَبِّخُهُ وَيُعَنِّفُهُ بِهِ، وَيَقُولُ لَهُ أَلَا تَتَّقِي اللَّه أَلَّا تَسْتَحِي مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا الْفَائِدَةُ فِي هَذَا الِالْتِفَاتِ وَالْخِطَابُ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي وَقْتِ الْمُنَاجَاةِ، وَالْمُلْتَفَتُ إِلَيْهِمْ غَائِبُونَ لَا يَشْعُرُونَ؟ قُلْتُ: إِجْرَاءُ ذَلِكَ فِي تَكْلِيمِ الْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ فِي مَعْنَى إِجْرَائِهِ بِحَضْرَتِهِمْ وَإِلْقَائِهِ إِلَى مَسَامِعِهِمْ، لِأَنَّهُ (مُبَلِّغُهُمْ) «٣» وَمُنْهِيهِ إِلَيْهِمْ، وَلَهُ فِيهِ لُطْفٌ وَحَثٌّ عَلَى زِيَادَةِ التَّقْوَى، وَكَمْ مِنْ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الْكَافِرِينَ وَفِيهَا أَوْفَرُ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِينَ تدبرا لها واعتبارا بمواردها.
[سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١٢ الى ١٤]
قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)
وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالذَّهَابِ إِلَى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، طَلَبَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَبْعَثَ مَعَهُ هَارُونَ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ الْأُمُورَ الدَّاعِيَةَ لَهُ إِلَى ذَلِكَ السُّؤَالِ وَحَاصِلُهَا أنه لو لم يكن هارون، لاختلف الْمَصْلَحَةُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْ بَعْثَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ فِرْعَوْنَ رُبَّمَا كَذَّبَهُ، وَالتَّكْذِيبُ سَبَبٌ لِضِيقِ الْقَلْبِ، وَضِيقُ الْقَلْبِ سَبَبٌ لِتَعَسُّرِ الْكَلَامِ عَلَى مَنْ يَكُونُ فِي لسانه حبسة، لأن عند ضيق

(١) زيادة من الكشاف ٣/ ١٠٦ ط. دار الفكر.
(٢) في الكشاف (ألا يا اسجدوا).
(٣) في الكشاف (مبلغه).

صفحة رقم 493

الْقَلْبِ تَنْقَبِضُ الرُّوحُ وَالْحَرَارَةُ الْغَرِيزِيَّةُ إِلَى بَاطِنِ الْقَلْبِ، وَإِذَا انْقَبَضَا إِلَى الدَّاخِلِ وَخَلَا مِنْهُمَا الْخَارِجُ ازْدَادَتِ الْحُبْسَةُ فِي اللِّسَانِ، فَالتَّأَذِّي مِنَ التَّكْذِيبِ سَبَبٌ لِضِيقِ الْقَلْبِ، وَضِيقُ الْقَلْبِ سَبَبٌ لِلْحُبْسَةِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ بَدَأَ بِخَوْفِ التَّكْذِيبِ، ثُمَّ ثَنَّى بِضِيقِ الصَّدْرِ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِعَدَمِ انْطِلَاقِ اللِّسَانِ. وَأَمَّا هَارُونُ فَهُوَ أَفْصَحُ لِسَانًا مِنِّي وَلَيْسَ فِي حَقِّهِ هَذَا الْمَعْنَى، فَكَانَ إِرْسَالُهُ لَائِقًا الثَّانِي: أَنَّ لَهُمْ عِنْدِي ذَنْبًا فَأَخَافُ أَنْ يُبَادِرُوا إِلَى قَتْلِي، وَحِينَئِذٍ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنَ الْبَعْثَةِ. وَأَمَّا هَارُونُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنَ الْبَعْثَةِ.
المسألة الثَّانِيَةُ: قُرِئَ (يَضِيقُ) وَ (يَنْطَلِقُ) بِالرَّفْعِ، لِأَنَّهُمَا مَعْطُوفَانِ عَلَى خَبَرِ (إِنَّ)، وَبِالنَّصْبِ لِعَطْفِهِمَا عَلَى صِلَةِ أَنْ، وَالْمَعْنَى: أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ، وَأَخَافُ أَنْ يَضِيقَ صَدْرِي، وَأَخَافُ أَنْ لَا يَنْطَلِقَ لِسَانِي، وَالْفَرْقُ أَنَّ الرَّفْعَ يُفِيدُ ثَلَاثَ عِلَلٍ فِي طَلَبِ إِرْسَالِ هَارُونَ، وَالنَّصْبَ يُفِيدُ عِلَّةً/ وَاحِدَةً، وَهِيَ الْخَوْفُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنْ قُلْتَ: الْخَوْفُ غَمٌّ يَحْصُلُ لِتَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ سَيَقَعُ وَعَدَمُ انْطِلَاقِ اللِّسَانِ كَانَ حَاصِلًا، فَكَيْفَ جَازَ تَعَلُّقُ الْخَوْفِ بِهِ؟ قُلْتُ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّكْذِيبَ الَّذِي سَيَقَعُ يُوجِبُ ضِيقَ الْقَلْبِ، وَضِيقُ الْقَلْبِ يُوجِبُ زِيَادَةَ الِاحْتِبَاسِ، فَتِلْكَ الزِّيَادَةُ مَا كَانَتْ حَاصِلَةً فِي الْحَالِ بَلْ كَانَتْ مُتَوَقَّعَةً، فَجَازَ تَعْلِيقُ الْخَوْفِ عَلَيْهَا.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ فَلَيْسَ فِي الظَّاهِرِ ذِكْرُ مَنِ الَّذِي يُرْسَلُ إِلَيْهِ، وَفِي الْخَبَرِ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَرْسَلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَيْهِ، قَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سَارَ بِأَهْلِهِ إلى مصر والتقى بهرون وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ أَنَا مُوسَى، فَتَعَارَفَا وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْطَلِقَ مَعَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ لِأَدَاءِ الرِّسَالَةِ، فَصَاحَتْ أُمُّهُمَا لِخَوْفِهَا عَلَيْهِمَا فَذَهَبَا إِلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَرْسِلْ إِلَيْهِ جِبْرِيلَ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّه إِلَى الْأَنْبِيَاءِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا كَانَ هُوَ مُتَعَيِّنًا لِهَذَا الْأَمْرِ حُذِفَ ذِكْرُهُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، وَأَيْضًا لَيْسَ فِي الظَّاهِرِ أَنَّهُ يُرْسَلُ لِمَاذَا، لَكِنَّ فَحْوَى الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ طَلَبَهُ لِلْمَعُونَةِ فِيمَا سَأَلَ، كَمَا يُقَالُ إِذَا نَابَتْكَ نَائِبَةٌ، فَأَرْسِلْ إِلَى فُلَانٍ أَيْ لِيُعِينَكَ فِيهَا وَلَيْسَ فِي الظَّاهِرِ أنه التمس كون وهارون نبيا معه، لكن قوله: قُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
يَدُلُّ عَلَيْهِ.
أَمَّا قَوْلُهُ: وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَرَادَ بِالذَّنْبِ قَتْلَهُ الْقِبْطِيَّ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْقِصَّةَ مَشْرُوحَةً فِي سُورَةِ الْقَصَصِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْتِمَاسِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يُضَمَّ إِلَيْهِ هَارُونُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اسْتَعْفَى مِنَ الذَّهَابِ إِلَى فِرْعَوْنَ بَلْ مَقْصُودُهُ فِيمَا سَأَلَ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ الذَّهَابُ عَلَى أَقْوَى الْوُجُوهِ فِي الْوُصُولِ إِلَى الْمُرَادِ، وَاخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا فَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِأَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى يُؤَدِّيَ الرِّسَالَةَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أُمِرَ بِذَلِكَ بِشَرْطِ التَّمْكِينِ، وَهَذَا قَوْلُ الْكَعْبِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْبَغْدَادِيِّينَ لِأَنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ دُخُولَ الشَّرْطِ فِي تَكْلِيفِ اللَّه تَعَالَى الْعَبْدَ، وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ تَعَالَى إِذَا أَمَرَ فَهُوَ عَالِمٌ بِمَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ الْمَأْمُورُ وَبِأَوْقَاتِ تَمَكُّنِهِ، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَأْمُرُهُ بِهِ، وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَالْأَقْرَبُ فِي الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ إِذَا حَمَّلَهُمُ اللَّه تَعَالَى الرِّسَالَةَ أَنَّهُ تَعَالَى يُمَكِّنُهُمْ مِنْ أَدَائِهَا وَأَنَّهُمْ سَيَبْقَوْنَ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِغْرَاءً فِي الْأَنْبِيَاءِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ إِغْرَاءً فِي غَيْرِهِمْ.
المسألة الثَّالِثَةُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ قَوْلُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ هَلْ يَدُلُّ عَلَى صُدُورِ الذَّنْبِ مِنْهُ؟ جَوَابُهُ: لَا وَالْمُرَادُ لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فِي زعمهم.

صفحة رقم 494

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية