نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٨٣: ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين فركز دعوته على وجوب تطهير التجارة والاقتصاد، من الغش والاستغلال المنافيين لمصلحة العباد وأمرهم في حالة البيع بإيفاء الكيل والوزن وعدم التطفيف في أي واحد منهما، طبقا لمقتضى العدل والإنصاف، كما أمرهم في حالة الشراء بإعطاء كل ذي حق حقه دون غبن ولا إجحاف، ونهاهم عن الفساد في الأرض نهيا عاما كيفما كان نوع الفساد، بما في ذلك الإخلال بالأمن العام وهناء البلاد، إذ لفظ ( الفساد ) في لغة القرآن يشمل معناه الإخلال بالأمن العام، مثل قطع الطرق والاعتداء على الممتلكات والأرواح، التي تتمتع بالقداسة والاحترام. فقوله تعالى هنا حكاية عن شعيب عليه السلام : ولا تعثوا في الأرض مفسدين يلتقي معناه مع قوله تعالى في سورة المائدة : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم [ الآية : ٣٣ ].
وكما استنكر الرسل السابقون من أقوامهم ما وجدوا مناقضا للتعاليم السماوية، مضادا للتوجيهات الإلهية، وأمروهم بما فيه الخير والصلاح، والسداد والفلاح، ها هو شعيب عليه السلام يخاطب " أصحاب الأيكة "، معرضا بما درجوا عليه من استغلال للخلق، وتضييع للحق، داعيا إياهم إلى العدل والإنصاف، في معاملة الناس لا فرق بين الأقوياء والضعاف، فقال تعالى : أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين
ويلاحظ في خطاب شعيب " لأصحاب الأيكة " أنه لم يأمرهم إلا بإيفاء الكيل، فأمرهم بما هو واجب، ولم ينههم إلا عن التطفيف، فنهاهم عما هو محرم، وذلك هو مقتضى العدل، أما الزيادة في الكيل فهي من باب الإحسان، ولذلك لم يأمرهم بها، ولم ينههم عنها، فإن زادوا أحسنوا ونالوا حظا من الثواب، وإن لم يزيدوا لم يتعرضوا لأي إثم أو عقاب، إذ ما جرى على المثل يجري على المماثل
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري