تمهيد :
هذه هي القصة السابعة في هذه السورة، التي وردت باختصار نسبي لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم، وتشجيعه على تحمل أذى المشركين، وتدريبه على الصبر، وبيان عاقبة المكذبين، حتى يرتدع كفار مكة، بما أصاب المكذبين من قوم فرعون حين كذبوا موسى، وقوم إبراهيم وقوم نوح، وعاد قوم هود، وثمود قوم صالح وقوم لوط، وأخيرا أصحاب الأيكة قوم شعيب، وقد كانوا أصحاب غيضة وشجر وثمر، وكانوا يطففون الكيل والميزان، ويفسدون في الأرض، ويبدو أنهم كانوا في طريق القوافل بين الجزيرة العربية وفلسطين، وهذه القوافل في حاجة إلى التعامل معهم، لكنهم كانوا يعطون القليل، ويطففون الكيل، ويفسدون في الأرض، فنصحهم شعيب بالاستقامة، ووفاء الكيل وإعطاء الحق، ودعاهم إلى توحيد الله، فكفروا بالله، وجحدوا نبوة شعيب، وقد استمر شعيب في نصحهم وتوضيح شبهتهم، وشرح رسالته إليهم، حتى ألزمهم الحجة.
وفي قصة شعيب في سورة هود نجد تفصيلا وتوضيحا لما قدمه هذا الرسول إلى قومه، حتى قال صلى الله عليه وسلم :( يأتي شعيب يوم القيامة خطيبا للأنبياء ).
المفردات :
من المخسرين : المطففين الآخذين من الناس أكثر مما لهم.
التفسير :
١٨١، ١٨٢- أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين* وزنوا بالقسطاس المستقيم
أرسل كل رسول إلى قومه يدعوهم إلى توحيد الله، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، واختص كل رسول بمعالجة عيوب المجتمع، فقد حارب لوط المثلية الجنسية، وهنا يحارب شعيب تطفيف الكيل والميزان، وكان القوم معروفين بتطفيف الكيل والميزان، والاستيلاء قسرا وغصبا على ما يزيد عن حقهم، وإعطاء الناس أقل من حقهم، ويشترون بثمن بخس، ويبيعون بثمن مرتفع، ويبدو أنهم كانوا في ممر قوافل التجارة، فكانوا يتحكمون فيها، وقد أمرهم رسولهم بالعدل والقسط في هذا كله، وفي هذا المعنى وردت آيات كثيرة، تحث على العدل والوفاء وأداء الأمانة، وعدم تطفيف الكيل والميزان، قال تعالى : ويل للمطففين*الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون*وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون [ المطففين : ١-٣ ].
وقد وردت قصة شعيب مع قومه في الآيات ٨٥-٩٣ من سورة الأعراف، وفي الآيات ٨٤-٩٥ من سورة هود، وفيها نجد هؤلاء الناس متكبرين متجبرين، مفسدين في الأرض مطففين للكيل والميزان، رافضين لهداية السماء، وفي نهاية القصة نجى الله شعيبا والذين آمنوا معه، وأهلك المكذبين هلاكا مدمرا. فأصبحوا أثرا بعد عين.
أهداف سورة الشعراء
سورة الشعراء مكية، وآياتها ٢٢٧، نزلت بعد سورة الواقعة، وسميت بهذا الاسم لذكر الشعراء فيها، في قوله تعالى : والشعراء يتبعهم الغاوون [ الشعراء : ٢٢٤ ].
موضوع السورة :
موضوع السورة الشعراء هو موضوع السور المكية جميعا، وهو تثبيت العقيدة وتلخيص عناصرها الأساسية، ويتمثل ذلك في دعوة السورة إلى توحيد الله : فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين [ الشعراء : ٢١٣ ].
وبيان قدرة الله الفائقة، ونعمه السابغة على لسان إبراهيم الخليل حين يقول : الذي خلقني فهو يهدين* والذي هو يطعمني ويسقين* وإذا مرضت فهو يشفين* والذي يميتني ثم يحيين* والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين [ الشعراء : ٧٨-٨٢ ].
ثم تستطرد السورة إلى وعيد المكذبين بعذاب الدنيا أو بعذاب الآخرة، حيث تقول : فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون [ الشعراء : ٦ ]
وتقول :
وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [ الشعراء : ٢٢٧ ].
ذلك إلى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتعزيته عن تكذيب المشركين له وللقرآن : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين [ الشعراء : ٣ ].
وإلى طمأنة قلوب المؤمنين وتصبيرهم على ما يلقون من عنت المشركين، وتثبيتهم على العقيدة مهما أوذوا في سبيلها من الظالمين، كما ثبت من قبلهم من المؤمنين.
القصص في سورة الشعراء
القصص غالب على سورة الشعراء، يشغل معظم السورة، فمجموع آياتها ٢٢٧ آية، منها ١٨٠ آية تحتوي على قصص هادف يمس شغاف القلوب، ويبين رعاية الله للأنبياء والمرسلين، ومن هذا القصص :
قصة موسى :
ذكرت قصة موسى وفرعون في الآيات :[ ١٠-٦٨ ]
وفيها سبعة مشاهد " أولها : مشهد النداء والبعثة والوحي والمناجاة بين موسى وربه، وثانيها : مشهد مواجهة موسى لفرعون وملئه، وتأييد موسى بآيتي العصا واليد البيضاء، وثالثها : مشهد التآمر وجمع السحرة وحشد الناس للمباراة الكبرى، ورابعها : مشهد إيمان السحرة وتهديد فرعون ووعيده. وخامسها : مشهد إيحاء الله لموسى أن يسرى بعباده ليلا. وسادسها : مشهد إرسال فرعون في المدائن حاشرين يجمعون الجنود لملاحقة بني إسرائيل، وسابعها : مشهد المواجهة أمام البحر، ونهاية القصة بانفلاق البحر، وغرق الظالمين، ونجاة المؤمنين.
قصة إبراهيم :
تستغرق قصة إبراهيم الآيات :[ ٦٩-١٠٤ ] والحلقة التي تعرض هنا من قصة إبراهيم- عليه السلام- هي حلقة الرسالة إلى قومه، وحواره معهم حول العقيدة، وإنكار الآلهة المدعاة، والاتجاه بالعبادة إلى الله، وبيان صفات الله وفضله وعظيم نعمائه، فهو الذي يخلق ويطعم ويسقي، ويشفي ويحيي ويميت، ويغفر الذنب، ويحاسب الناس، ويكافئ المؤمنين، ويعاقب الغاوين.
وفي أعقاب قصة إبراهيم مشهد كامل من مشاهد القيامة، يتنكر فيه العباد للآلهة، ويندمون على الشرك الذي انتهى بهم إلى ما هم فيه، كأنهم قد صاروا فعلا في موقف الحساب والجزاء، وهنا عبرة القصة للمشركين.
ومن ثم يتوسع في الحديث عن مقومات عقيدة التوحيد، وفساد عقيدة الشرك، ومصير المشركين في يوم الدين، لأن التركيز متجه إليه، وتختصر السورة ما عدا ذلك مما يفصل في سور أخرى.
قصة نوح :
تستغرق قصة نوح –عليه السلام- الآيات [ ١٠٥-١٢٢ ] ونلحظ أن القصص في سورة الشعراء لا يتبع التسلسل التاريخي فقد عرضت قصة موسى، ثم قصة إبراهيم، ثم قصة نوح، ولو أراد أن يتبع التسلسل التاريخي لعرض قصة نوح أولا، ثم قصة إبراهيم ثانيا، ثم قصة موسى ثالثا.
لكنه في هذه السورة كان يذكر الأحداث، ثم يرجع القهقري من قصة إبراهيم إلى قصة نوح، لأن الخط التاريخي ليس هو المقصود هنا، بل المقصود هو العبرة من نهاية الشرك والتكذيب.
وقصة نوح ومن قبلها قصة موسى وقصة إبراهيم قد عرضت في سور شتى سابقة.
لكن الجانب الذي يعرضه من القصة يأتي مناسبا لسياق السورة، وللعظة والعبرة المقصودة منها.
وتعرض قصة نوح في الغالب في سلسلة مع قصص عاد وثمود وقوم لوط وأهل مدين –كما تشاهد في هذه السورة- وأظهر ما في الحلقة المعروضة في سورة الشعراء هنا هو دعوة نوح قومه إلى تقوى الله، وإعلانه أنه لا يطلب منهم أجرا على الهدى، وإباؤه أن يطرد المؤمنين الفقراء الذين يستنكف منهم الكبراء –وهذا ما كان يواجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة سواء بسواء- ثم دعاؤه لربه أن يفتح بينه وبين قومه واستجابة الله له بإغراق المكذبين وإنجاء المؤمنين.
قصة هود :
تستغرق قصة نبي الله هود الآيات :[ ١٢٣-١٤٠ ]
وقبيلة عاد –وهم قوم هود- كانوا يسكنون الأحقاف، وهي جبال رملية قرب حضر موت من ناحية اليمن، وقد جاءوا بعد قوم نوح، وكانوا ممن زاغت قلوبهم بعد فترة الطوفان الذي طهر وجه الأرض من العصاة.
واتخذت عاد المساكن المرتفعة والمصانع المشيدة، وبلغت شأوا بعيدا من الحضارة الصناعية، وزادتها القوة بطرا وقسوة : فكفرت بنعم الله، وتطاولت وتجبرت ونسيت الخالق الرازق، وكذبوا نبي الله هود فأهلكهم الله ودمر مصانعهم ودورهم، وصب عليهم العذاب من فوقهم ومن تحتهم، وتركهم عبرة لكل طاغية : إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين [ الشعراء : ١٣٩ ].
قصة ثمود :
تستغرق قصة ثمود الآيات [ ١٤١-١٥٩ ].
وقد دعاهم نبي الله صالح إلى عبادة الله، وذكرهم بما هم فيه من نعمة، وكانوا يسكنون بالحجر بين الشام والحجاز، وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم بدورهم المدمرة مع صحابته في غزوة تبوك : فاستحث راحلته وحنى ظهره وجلاً وخشوعا لله وقال للمسلمين :( لا تمروا على قرى القوم الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم مشفقون، خشية أن يصيبكم ما أصابهم ).
لقد كانت ثمود في نعمة فكفروا بنعمة الله عليهم، وذكرهم صالح بقدر الله، فطلبوا منه معجزة ؛ فأعطاه الله الناقة، على شرط أن يكون الماء الذي يستقون منه يوما للناقة ويوما لهم، وحذرهم صالح أن ينالوا الناقة بسوء على الإطلاق، وإلا أخذهم عذاب يوم عظيم.
ولكنهم استمروا في عنادهم وظلمهم، فنحروا الناقة، وكذبوا صالحا، وأحسوا بالندم بعد فوات الأوان، فأخذهم عذاب الله العادل : إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين* وإن ربك لهو العزيز الرحيم [ الشعراء : ١٥٨-١٥٩ ].
قصة لوط :
تستغرق قصة لوط الآيات :[ ١٦٠-١٧٥ ]
وقد كان قوم لوط يسكنون عدة قرى في وادي الأردن، واشتهر بينهم الشذوذ الجنسي بإتيان الذكور وترك النساء، وهو انحراف شنيع في الفطرة، فقد برأ الله الذكر والأنثى وفطر كلا منهما على الميل إلى صاحبه لتحقيق حكمته ومشيئته في امتداد الحياة عن طريق النسل الذي يتم باجتماع الذكر والأنثى، فكان هذا الميل طرفا من الناموس الكوني العام.
ولكن قوم لوط خرجوا على الفطرة، واستباحوا الفاحشة، وهددوا لوطا بالطرد والنفي : فخسف الله قراهم وغطاها الماء، ومنها قرية سدوم، ويظن أنها ثاوية تحت البحر الميت في الأردن.
أصحاب الأيكة :
تستغرق قصة أصحاب الأيكة الآيات :[ ١٧٦-١٩١ ]
والأيكة : الشجر الكثيف الملتف، وهم أهل مدين، ونبيهم شعيب عليه السلام، وكان شأنهم تطفيف الكيل والميزان، وقد أمرهم رسولهم بالعدل والقسط وحسن المعاملة، فكذبوا نبيهم : فأخذهم عذاب يوم عظيم في يوم حار خانق يكتم الأنفاس ويثقل الصدور، ثم تراءت لهم سحابة فاستظلوا بها، فوجدوا لها بردا ثم إذا هي الصاعقة المجلجلة المدوية، تفزعهم وتدمرهم تدميرا وكان ذلك يوم الظلة، فالظلة كانت سمة اليوم المعلوم.
فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم [ الشعراء : ١٨٩ ].
في أعقاب القصص
الآيات الأخيرة من سورة الشعراء تعقيب على قصص المرسلين فيها، وتأكيد على بعض أهداف الرسالة السماوية، فقد ذكر الله في هذه القصص : قصة الرسل والرسالات، وقصة التكذيب والإعراض، وقصة التحدي والعقاب، وتمثلت هذه المعاني في قصة موسى مع فرعون، وقصة إبراهيم مع أبيه وقومه، وقصة نوح مع قومه، وقصة هود مع عاد، وقصة صالح مع ثمود، وقصة لوط مع قومه، وقصة شعيب مع أصحاب الأيكة، فلما انتهى القصص عاد السياق إلى موضوع السورة، وهو العقيدة والإيمان بالله ورسله واليوم الآخر. وقد جاء التعقيب الأخير في السورة يتحدث عن القرآن فيؤكد أنه تنزيل من رب العالمين.
ويشير إلى أن علماء بني إسرائيل يعرفون خبر هذا الرسول وما معه من القرآن : لأنه مذكور في كتب الأولين، إنما المشركون يعاندون الدلائل الظاهرة، ويزعمون أنه سحر أو شعر، ولو أن أعجميا لا يتكلم العربية نزل عليه هذا القرآن فتلاه عليهم بلغتهم ما كانوا به مؤمنين، لأن العناد هو الذي يقعد بهم عن الإيمان، لا ضعف الدليل، وما تنزلت الشياطين بهذا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم كما تتنزل بالأخبار على الكهان، وما هو كذلك بشعر، فإن له منهجا ثابتا، والشعراء يهيمون في كل واد وفق الانفعالات والأهواء، إنما هو القرآن المنزل من عند الله تذكيرا للمشركين قبل أن يأخذهم الله بالعذاب، وقبل أن تأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون : وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [ الشعراء : ٢٢٧ ].
وقد استغرق هذا التعقيب الأخيرة على القصص الآيات من ١٩٢ إلى ٢٢٧، وختم هذا التعقيب بهذا التهديد المخيف الذي يلخص موضوع السورة.
تلك السورة التي اشتملت على تصوير عناد المشركين ومكابرتهم، واستهتارهم بالوعيد، واستعجالهم بالعذاب، كما اشتملت على مصارع المكذبين على مدار الرسالات والقرون.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة