وحين انقطعت حجة فرعون وروغانه عن ذكر رب العالمين، أخذ يستفهم موسى عن الذي ذكر أنه رسول من عنده ؛ مكابرة وتجاهلاً وتعامياً، طلباً للرئاسة، كما قال تعالى : قال فرعونُ وما ربُّ العالمين ، أي : أيُّ شيء رب العالمين، الذي ادعيت أنك رسوله منكراً لأن يكون للعالمين رب غيره، حسبما يعْربُ عنه قوله : أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعْلَى [ النازعات : ٢٤ ]، وقوله : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي [ القصص : ٣٨ ]. أو : فما صفته، أو حقيقته ؟ قال موسى : هو ربُّ السماواتِ والأرضِ وما بينهما .
وقول فرعون : وما رب العالمين : سؤال عن حقيقة الذات، ومعرفة الكنه متعذرة ؛ إذ ليس كمثله شيء، وأقرب ما يجاب به قوله تعالى : هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [ الحديد : ٣ ] فهذه الأسماء الأربعة أحاطت بالذات في الجملة، ولم تترك منها شيئاً، والإحاطة بالكنه متعذرة، ولو وقعت الإحاطة لم يبق للعارفين تَرَق، مع أن ترقيهم في كشوفات الذات لا ينقطع أبداً، في هذه الدار الفانية، وفي تلك الدار الباقية. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي