فقال موسى - عليه السلام١ - : رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بينهما إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ فعدل إلى طريق ثالث أوضح من الثاني، وذلك أنه أراد ب «المَشْرِق » طلوع الشمس وظهور النهار، وأراد ب «المَغْرِب » : غروب الشمس وزوالها، والأمر ظاهر ؛ لأن التدبير المستمر على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر، وهذا بعينه طريقة إبراهيم - عليه السلام - مع نمروذ، فإنه استدل أولاً بالإحياء والإماتة، وهو الذي ذكره إبراهيم - عليه السلام - بقوله : رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائكم الأولين فأجابه نمروذ : أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [ البقرة : ٢٥٨ ] فقال : إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر وهو١ الذي ذكره موسى - عليه السلام٢ - بقوله : رَبُّ المشرق والمغرب .
وأما قوله إِنْ كَنْتُم تَعْقِلُونَ فكأنه - عليه السلام - قال : إن كنت من العقلاء عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت، لأنك طلبت مني تعريف حقيقته، ولا يمكن٣ تعريف حقيقته بنفس حقيقته، ولا بأجزاء حقيقته، فلم يبق إلا أن أُعرِّف حقيقته بآثار حقيقته، وقد عرّفت حقيقته بآثارحقيقته، فمن كان عاقلاً يقطع بأنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرته. واعلم أن حقيقته غير معقولة للبشر، فيستحيل٤ من موسى - عليه السلام٥ - أن يذكر ما تعرف ( به تلك )٦ الحقيقة، إلا أن عدم العلم بتلك الخصوصية لا يقدح في صحة الرسالة.
٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣ في ب: ولا يكون..
٤ في ب: ليستحيل..
٥ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٦ به تلك: تكملة من الفخر الرازي..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود