ﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆ

ويقال : إن أدوات سحرهم وهي العصى والحبال كانت مجوفة وقد ملئوها بالزئبق، فلما ألقوها في ضوء الشمس وحرارتها أخذت تتلاعب، كأنها تتحرك، وهذا من حيل السحرة وألاعيبهم التي تخيل للاعين وهي غير حقيقية، فحقيقة الشيء ثابتة، أما المسحور فيخيل إليه أنها تتحرك ثم يقول سبحانه :
فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون ٤٥ :
ولم يأت إلقاء موسى عليه السلام لعصاه مباشرة بعد أن ألقي السحرة، إنما هنا أحداث ذكرت في آيات أخرى، وفي لقطات أخرى للقصة، يقول تعالى : فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ٦٦ ( طه ).
فأوجس في نفسه خيفة موسى ٦٧ قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى ٦٨ وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا... ٦٩ ( طه ).
هكذا كانت الصورة، فلما خاف موسى ثبته ربه، وأيده بالحق وبالحجة، وتابعه فيما يفعل لحظة بلحظة ؛ ليوجهه وليعدل سلوكه، ويشد على قلبه، وما كان الحق –تبارك وتعالى- ليرسله ثم يتخلى عنه، وقد قال له ربه قبل ذلك : ولتصنع على عيني٣٩ ( طه ) وقال : إنني معكما أسمع وأرى٤٦ ( طه ) فالحق سبحانه يعطي نبيه موسى الأوامر، ويعطيه الحجة لتنفيذها، ثم يتابعه بعنايته ورعايته.
ومن ذلك قوله تعالى لنبيه نوح : واصنع الفلك بأعيننا ووحينا... ٣٧ ( هود )
فحينما تجمع هذه اللقطات تجدها تستوعب الحدث، ويكمل بعضها بعضا، وهذا يظنه البعض تكرارا، وليس هو كذلك.
إذن : جاء إلقاء موسى لعصاه بعد توجيه جديد من الله أثناء المعركة : وألق ما في يمينك... ٦٩ ( طه ) وهنا : فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون ٤٥ ( الشعراء ) ومعنى تلقف... ٤٥ ( الشعراء ) تبتلع وتلتهم في سرعة وقوة، أما السرعة واختصار الزمن والقوة، فتدل على الأخذ بشدة وعنف، وفي هذا دليل على أنه خاض المعركة بقوة، فلم تضعف قوته لما رأى من ألاعيب السحرة.
ومعنى ما يأفكون ٤٥ ( الشعراء ) من الإفك يعني : قلب الحقائق ؛ لذلك سموا الكذب إفكا ؛ لأنه يقلب الحقيقة ويغير الواقع.
ومنها والمؤتفكة أهوى٥٣ ( النجم ) وهي القرى١ الظالمة التي أهلكها الله، فجعل عاليها سافلها.
وسبق أن أوضحنا أن الكذب وقلب الحقائق يأتي من أنك حين تتكلم، فللكلام نسب ثلاث : نسبة في الذهن، ونسبة على اللسان، ونسبة في الواقع. فإن طابقت النسبة الكلامية الواقع، فأنت صادق، وإن خالفته فأنت كاذب.
وسمى ما يفعل السحرة إفكا ؛ لأنهم يغيرون الحقيقة، ويخيلون للناس غيرها.

١ يعني: مدائن قوم لوط قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها وأمطر عليها حجارة من سجيل منضود. قال قتادة: كان في مدائن قوم لوط أربعة آلاف ألف إنسان (يعني ٤ملايين) فانضرم عليهم الوادي شيئا من نار ونفط وقطران كفم الأتون. (تفسير ابن كثير ٤/٢٥٩)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير