فلما سمع فرعون ذلك منهم، ورأى سجودهم لله قال ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ أي بغير إذن مني، ثم قال مغالطاً للسحرة الذين آمنوا، وموهماً للناس أن فعل موسى سحر من جنس ذلك السحر : إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السحر وإنما اعترف له بكونه كبيرهم مع كونه لا يحبّ الاعتراف بشيء يرتفع به شأن موسى، لأنه قد علم كل من حضر أن ما جاء به موسى أبهر مما جاء به السحرة، فأراد أن يشكك على الناس بأن هذا الذي شاهدتم، وإن كان قد فاق على ما فعله هؤلاء السحرة، فهو فعل كبيرهم، ومن هو أستاذهم الذي أخذوا عنه هذه الصناعة، فلا تظنوا أنه فعل لا يقدر عليه البشر، وأنه من فعل الربّ الذي يدعو إليه موسى.
ثم توعد أولئك السحرة الذين آمنوا بالله لما قهرتهم حجة الله، فقال : فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أجمل التهديد أوّلاً للتهويل، ثم فصله، فقال : لأقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ وَلأَصَلّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ، فلما سمعوا ذلك من قوله قالوا لاَ ضَيْرَ إِنَّا إلى رَبّنَا مُنقَلِبُونَ .
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني