وَمَا يَأْتِيهِم مّن ذِكْرٍ مّنَ الرحمن مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ بيّن سبحانه أنه مع اقتداره على أن يجعلهم ملجئين إلى الإيمان يأتيهم بالقرآن حالاً بعد حال، وأن لا يجدّد لهم موعظة وتذكيراً إلاّ جدّدوا ما هو نقيض المقصود، وهو الإعراض والتكذيب والاستهزاء، و «من » في : مّن ذِكْرِ مزيدة لتأكيد العموم، و " من " في مّن رَّبّهِمُ لابتداء الغاية، والاستثناء مفرغ من أعمّ العامّ محله النصب على الحالية من مفعول يأتيهم، وقد تقدّم تفسير مثل هذه الآية في سورة الأنبياء فَقَدْ كَذَّبُواْ أي بالذكر الذي يأتيهم تكذيباً صريحاً، ولم يكتفوا بمجرّد الإعراض، وقيل إن الإعراض بمعنى التكذيب، لأن من أعرض عن شيء ولم يقبله، فقد كذّبه، وعلى هذا فيكون ذكر التكذيب للدلالة على صدور ذلك منهم على وجه التصريح، والأوّل أولى، فالإعراض عن الشيء : عدم الالتفات إليه. ثم انتقلوا عن هذا إلى ما هو أشدّ منه، وهو التصريح بالتكذيب، ثم انتقلوا عن التكذيب إلى ما هو أشدّ منه، وهو الاستهزاء كما يدلّ عليه قوله : فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ أنباؤا مَا كَانُواْ بِه يَسْتَهْزِءونَ .
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني