والجواب الثاني : قوله : إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا وهو إشارة منهم إلى الكفر والسحر وغيرهما. والطمع في هذا الموضع يحتمل اليقين، كقول إبراهيم - عليه السلام١ - :«وَالَّذِي أَطْمَعُ »٢. ويحتمل الظن، لأن المرء لا يعلم ما سيختاره من بعد٣. قوله :«أَنْ كُنَّا ». قرأ العامة بفتح «أَنْ » أي : لأن كُنَّا بينوا القول بالإيمان وقرأ أبان بن تغلب وأبو معاذ٤ بكسر الهمزة٥، وفيه وجهان :
أحدهما : أنها شرطية، والجواب محذوف لفهم المعنى٦، أو متقدم عند من يجيزه٧.
نظيره قول القائل٨ :«إنْ كُنْتُ عملتُ فوفِّنِي حَقِّي » مقولة لمن يؤخر جعله٩.
والثاني : أنها المخففة من الثقيلة، واستغني عن اللام الفارقة١٠ لإرشاد المعنى إلى الثبوت دون النص١١ كقوله :
٣٩٠٢ - وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامُ المَعَادِنِ١٢ ***. . .
وفي الحديث :«إن كان رسول ( الله - صلى الله عليه وسلم )١٣ - يحبُّ العسل » أي : ليحبُّه١٤.
والمعنى على الأول١٥ : لأن كنا أول المؤمنين، من الجماعة الذين حضروا ذلك الموقف، أو يكون المراد : من السحرة خاصة، أو من رعية فرعون، أو من أهل زمانهم١٦.
٢ من قوله تعالى: والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين الآية ٨٢ من السورة نفسها..
٣ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٣٥-١٣٦..
٤ هو الفضل بن خالد أبو معاذ النحوي المروزي، روى القراءة عن خارجة بن مصعب، وروى عنه الليث بن مقاتل، وغيره مات سنة ٢١١ هـ. طبقات القراء ٢/٩..
٥ المختصر (١٠٦)، دون عزو إلى قارىء، المحتسب ٢/١٢٧، منسوبة إلى أبان بن تغلب، البحر المحيط ٧/١٦..
٦ هذا التخريج على مذهب البصريين. انظر المحتسب ٢/١٢٨-١٢٩، البحر المحيط ٧/١٦، الهمع ٢/٦١..
٧ هذا التخريج على مذهب الكوفيين والأخفش وأبي زيد والمبرد الذين يجيزون تقديم جواب الشرط عليه. انظر البحر المحيط ٧/١٦، الهمع ٢/٦١..
٨ في ب: العامل..
٩ الكشاف: ٣/١١٥..
١٠ في ب: العارفة. وهو تحريف..
١١ وهو قول أبي حيان. البحر المحيط ٧/١٦..
١٢ عجز بيت من بحر الطويل قاله الطّرماح بن حكيم، وصدره:
أنا ابن أباة الضّيم من آل مالك ***...
وهو في ديوانه (٥١٢)، البحر المحيط ٧/١٦، شرح التصريح ١/٢٣١، الهمع ١/١٤١، الأشموني ١/٢٨٩، الدرر ١/١٨١. أباة: جمع آب كقضاة جمع قاض من أبى إذا امتنع، الضيم: الظلم، مالك: اسم أبي القبيلة، ومالك الثاني هو القبيلة، ولذلك قال: كانت. بتأنيث الفعل، وصرفها مراعاة للحيّ. والشاهد فيه حذف اللام الفارقة من خبر (إن) المخففة من الثقيلة لدلالة المقام عليها إذ إن المقام للمدح وتوهم النفي هنا ممتنع..
١٣ ما بين القوسين سقط من ب..
١٤ يعني بالحديث الخبر لا حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقد روي عن أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يحب الحلواء والعسل". أخرجه البخاري (طلاق) ٣/٢٧١، (أطعمة) ٣/٢٩٨، (أشربة) ٣/٣٢٥. الترمذي (أطعمة) ٣/١٧٨، أبو داود (أشربة) ٤/١٠٧، ابن ماجة (أطعمة) ٢/١١٠٢، أحمد ٦/٥٠٩..
١٥ أي على قراءة العامة..
١٦ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٣٦..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود