قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون فاقتدينا بهم. اعترفوا بأن أصنامهم بمعزل عما ذكر ؛ من السمع، والمنفعة، والمضرة بالمرة. واضطروا إلى إظهار أنهم لا سند لهم سوى التقليد الرديء.
وقال الشيخ أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه : إن لله شراباً، يقال له : شراب المحبة، ادخره لأفاضل عباده، فإذا شربوا سكروا، وإذا سكروا طاشوا، وإذا طاشوا طاروا، وإذا طاروا وصلوا، وإذا وصلوا اتصلوا، فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. هـ. قلت : شراب المحبة هو خمرة الفناء والغيبة في الله، بدليل قول ابن الفارض رضي الله عنه. شَرَابُ المَحَبَّةِ خَيْرُ الشَّرابْ وكُلُّ شرابٍ سواه سَرَابْ
وقال الجنيد رضي الله عنه : يُحشر الناس يوم القيامة عراة، إلا من لبس ثياب التقوى، وجياعاً إلا من أكل طعام المعرفة، وعطاشاً إلا من شرب شراب المحبة. هـ. وقد يستغني صاحب طعام المعرفة وشراب المحبة عن الطعام والشراب الحسيين، كما قال صلى الله عليه وسلم، حين كان يواصل :" إني أبَيتُ عند ربي يُطعمني ويسقين١ ". فَلَمْ تهْوَني ما لم تكنْ فِيَّ فانِياً ولمَ تَفْنَ ما لم تجتل فيكَ صورتي
قال أبو بكر الوراق في قوله تعالى : الذي هو يُطعمني ويسقين أي : يُطعمني بلا طعام، ويسقيني بلا شراب. قال : ويدل عليه حديث السَّقَّاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ؛ حيث سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ثلاثة أيام : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ، فرمى بِقِرْبَتِهِ، فأتاه آتٍ في منامه بقدح من شراب الجنة، فسقاه، قال أنس : فعاش بعد ذلك نيفاً وعشرين سنة، ولم يأكل ولم يشرب على شهوة. هـ.
وكان عبد الرحمان بن أبي نعيم لا يأكل في الشهر إلا مرة، فأدخله الحجاج بيتاً، وأغلق عليه بابه، ثم فتحه بعد خمسة عشر يوماً، ولم يشك أنه مات، فوجده قائماً يُصلي، فقال : يا فاسق، تصلي بغير وضوء ؟ فقال : إنما يحتاج الوضوء من يأكل ويشرب، وأنا على الطهارة التي أدخلتني عليها. هـ. ومكث سفيان الثوري بمكة دهراً، وكان يَسفُّ من السبت إلى السبت كفاً من الرمل. هـ. وهذا من باب الكرامة، فلا يجب طردها، وقد تكون بالرياضة، وطريق المعرفة لا تتوقف على هذا. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي