فإذا قضيتم الصلاة أي فرغتم منها يعني من صلاة الخوف فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم يعني فدوموا على الذكر بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وغير ذلك في جميع الأحوال، عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه " (١) رواه أبو داود، والظاهر أن المراد بالآية والحديث دوام الحضور بالقلب إذ لا يتصور دوام الذكر باللسان، وقيل : المراد إذا فرغتم من صلاة الخوف فاذكروا الله يعني صلوا قياما في حالة الصحة وقعودا أو على جنوبكم بحسب الطاقة في حالة المرض أو الزمانة أو الجرح أو الضعف، أو المراد إذا أردتم الصلاة في حالة الخوف فصلوا قياما إن قدرتم عليه وقعودا إن عجزتم عن القيام وعلى جنوبكم إن عجزتم عن القعود فإذا اطمأننتم أي سكنت قلوبكم بزوال الخوف فأقيموا الصلاة فعدلوا واحفظوا أركانها وشرائطها ولا يجوز حينئذ في الصلاة ما يجوز في حالة الخوف إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا أي مكتوبا مفروضا موقوتا محدودا بالأوقات لا يجوز إخراجها عنها ما أمكن كأنه تعليل لتشريع صلاة الخوف والصلاة قاعدا أو راقدا عند العذر، ولا دليل في هذه الآية على جواز الصلاة في حالة الحرب والمسابقة كما قال به الشافعي، واستدل عليه البيضاوي بهذه الآية لأنه لو كانت الصلاة جائزة في حالة المسابقة لذكرها كنا ذكرها قاعدا أو على الجنوب، فإذا لم يذكر فالأصل عدم الجواز والآية مجملة في الأوقات ورد بيانها بالسنة.
مسألة : أجمعوا على أن وقت الظهر بعد الزوال إلى وقت العصر والعصر إلى غروب الشمس إلا أنه يكره تحريما بالإجماع بعد اصفرار الشمس والوقت المختار عند الشافعي أن لا يؤخر العصر عن مصير الظل مثلين، ووقت المغرب بعد غروب الشمس والعشاء بعد غروب الشفق إلى طلوع الفجر لكن المختار بالإجماع أن لا يؤخر العشاء بعد نصف الليل والفجر بعد طلوع الصبح المعترض إلى طلوع الشمس. واختلفوا في آخر وقت الظهر والمغرب ؟ فالجمهور على أن وقت الظهر إلى بلوغ ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال والمغرب إلى غروب الشفق خلافا لأبي حنيفة في آخر الظهر حيث قال : إلى المثلين وخلافا لمالك والشافعي في أحد قوليه في آخر المغرب حيث قالا : لا يؤخر المغرب في الاختيار عن غروب الشمس. والأصل في الباب حديث أمامة جبرائيل عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" أمّني جبرائيل عند البيت مرتين فصلى بي الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان كل شيء مثل ظله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم، وصلى المرة الثانية الظهر حين صار ظل كل شيء مثله كوقت العصر بالأمس وصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه ثم المغرب بوقته الأول والعشاء الآخر حين ذهب ثلث الليل ثم صلى الصبح اصفرت الأرض ثم التفت إلي جبرائيل فقال يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك والوقت فيما بين هذين " (٢) رواه أبو داود والترمذي وقال : حسن صحيح وابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال : صحيح الإسناد، لكن فيه عبد الرحمن بن الحرث ضعفه أحمد والنسائي وابن معين وأبو حاتم ووثقه ابن سعد وابن حبان، وقد توبع عليه، أخرج عبد الرزاق عن العمري عن عمرو بن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه عن ابن عباس نحوه، قال ابن دقيق العيد : هي متابعة حسنة وصححه أبو بكر بن العربي وابن عبد البر، وقد روي حديث إمامة جبرائيل عن عدة من الصحابة منهم جابر بمعناه وفيه فصلى العشاء في اليوم الثاني حين ذهب نصف الليل، أو ثلث الليل، قال البخاري : أصح حديث في المواقيت حديث جابر. وعن بريدة قال : إن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلاة فقال له :" صل معنا هذين " يعني اليومين، فلما زالت الشمس أمر بلالا فأذن ثم أمره فأقام الظهر ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلما كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر فأبردها فأنعم أن يبردها وصلى العصر والشمس مرتفعة آخرها فوق الذي كان وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل وصلى الفجر فأسفرها ثم قال : أين السائل عن وقت الصلاة ؟ فقال الرجل : أنا يا رسول الله، قال :" وقت صلاتكم بين ما رأيتم " (٣) رواه مسلم، وعن أبي موسى نحو حديث بريدة " وفيه أخر النبي صلى الله عليه وسلم المغرب يعني في اليوم الثاني حتى كان عند سقوط الشفق " (٤) رواه مسلم، وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل كل شيء كطوله ما لم يحضر العصر ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت الفجر من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس " (٥) رواه مسلم، وفي حديث أبي هريرة :" أول وقت المغرب حين تغرب الشمس وآخر وقتها حين تغيب الأفق، وإن أول وقت العشاء الآخرة حين تغيب الأفق وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإن أول وقت الفجر حين يطلع وآخر وقتها حين تطلع الشمس " (٦) رواه الترمذي من حديث محمد بن فضيل عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وخطأ البخاري رفعه، وهذه الأحاديث حجة للجمهور على مالك والشافعي في أن آخر وقت المغرب إلى أن يغيب الشفق، وأما آخر وقت العصر إلى غروب الشمس فمستفاد من قوله تعالى : إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد ٣١ فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب (٧) وقوله صلى الله عليه وسلم :" من أدرك ركعة من الصبح، قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " (٨) متفق عليه من حديث أبي هريرة، وأما آخر وقت العشاء ما لم تطلع الفجر فلم يوجد في شيء من الأحاديث صحيح ولا ضعيف لكن اختلف الأحاديث الصحاح فيه روي عن ابن عباس وأبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري أنه صلى الله عليه وسلم " أخرها إلى ثلث الليل " وروى عن أبي هريرة وأنس أنه صلى الله عليه وسلم " أخرها حتى انتصف الليل " وروى ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم " أخرها حتى ذهب ثلثا الليل " وروت عائشة " أنه اعتم بها حتى ذهب عامة الليل " وكل هذه الأحاديث في الصحيح، قال الطحاوي يفيد مجموع هذه الأحاديث أن الليل كله وقت لها لكن على ثلاث مراتب إلى الثلث أفضل وإلى النصف دونه وما بعده دونه، ثم ساق بسنده إلى نافع بن جبير قال كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري : وصل العشاء أي الليل شئت ولا تغفلها، وعند مسلم في قصة ليلة التعريس عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ليس في النوم تفريط إنما التفريط أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى " (٩) وهذا يدل على أن وقتها إلى طلوع الفجر، وقد أجمعوا على أنه إذا أسلم الكافر أو طهرت الحائض أو بلغ الصبي وقد بقي من الليل شيء يجب عليه العشاء. وأما أحاديث إمامة جبرائيل وإمامة النبي صلى الله عليه وسلم للسائل عن وقت الصلاة فمحمولة على المختار من الوقت ما لا كراهة فيه، ولذا قال أبو حنيفة رحمه الله : تأخير المغرب عن أول الوقت مكروه تنزيها لا تحريما لما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق وتأخير العشاء عما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم والعصر إلى اصفرار الشمس مكروه تحريما وأشد كراهة تأخير العصر إلى الاصفرار لورود النهي عن الصلاة في ذلك الوقت وكونه منسوبا إلى الشيطان، وأما ما ورد في حديث إمامة جبرائيل أخر وقت العصر حين صار ظل كل شيء مثليه فمنسوخ من قوله صلى الله عليه وسلم :" وقت العصر ما لم تصفر الشمس " وأما آخر وقت الظهر فلم يوجد حديث صحيح ولا ضعيف أنه يبقى بعد مصير ظل كل شيء مثله، ولذا خالف أبا حنيفة في هذه المسألة صاحباه ووافقا الجمهور واحتج أبو حنيفة بما مر من حديث بريدة " فلما كان اليوم الثاني أمره فأمره فأبرد بالظهر فأبردها فأنعم أن يبردها " ولقوله صلى الله عليه وسلم :" إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم " (١٠) رواه الستة، قال أبو حنيفة : واشتد الحر في ديارهم في هذا الوقت حين صار ظل كل شيء مثله فكان حديث الإبراد ناسخا لحديث إمامة جبرائيل فإنه أول أحاديث الباب، وإذا ثبت بقاء وقت الظهر بعد صيرورة الظل مثل الشيء نسخا لإمامة جبرائيل بحديث الإبراد ثبت نسخ حديث إمامة جبرائيل في حق أول وقت العصر أيضا لأن قوله تعالى : إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا يقتضي كون الوقت لكل صلاة وقتا على حدة ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إنما التفريط أن يؤخر صلاة حتى تدخل وقت الأخرى " (١١) لكن إمامة جبرائيل في اليوم الثاني العصر عند صيرورة ظل كل شيء مثليه يفيد أنه وقته ولم ينسخ فيستمر ما علم ثبوته من بقاء وقت الظهر إلى أن يدخل هذا الوقت المعلوم كونه وقتا للعصر وهذا الاستدلال ضعيف جدا، ودلالة حديث الإبراد على بقاء وقت الظهر بعد المثل ممنوع بل الإبراد أمر إضافي وشدة الحر إنما يكون عند الزوال وبعض الإبراد يحصل قبيل بلوغ الظل مثل الشيء ولو كان الحر في ديارهم حين بلوغ ظل الشيء مثله أشد مما قبله لكان مقتضي الأمر بالإبراد تعجيل الصلاة في أول الوقت والله أعلم. مسألة : الشفق الحمرة عند الجمهور وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله، والمشهور من مذهبه أنه البياض الذي بعد الحمرة لأن اللفظ مشترك بينهما ولا يزول وقت المغرب ولا يدخل وقت العشاء بالشك ولأن الأحوط ذلك فإنه لا يجوز الصلاة قبل الوقت ويجوز بعده، احتج الجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم :" الشفق الحمرة فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة " رواه ابن عساكر في غرائب مالك من حديث عتيق بن يعقوب عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا، ورواه ابن عساكر من حديث أبي حذافة عن مالك وقال : حديث عتيق أمثل إسنادا وصحح البيهقي وقفه، وذكر الحاكم في المدخل حديث أبي حذافة وجعله مثالا لما رفعه المخرجون من الموقوفات، ورواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث بن يزيد الواسطي عن شعبة عن قتادة عن أبي أيوب عن ابن عمر ورفعة وقت المغرب إلى أن يذهب حمرة الشفق، قال ابن خزيمة : إن صحت هذه الرواية بهذا اللفظ أغنت عن جميع الروايات لكن تفرد بها محمد بن يزيد، وإنما قال فيه أصحاب شعبة نور الشفق مكان حمرة الشفق قال الحافظ ابن حجر محمد بن يزيد صدوق، وقال البيهقي : روى هذا الحديث عن عمر وعلي وابن عباس وعبادة بن الصامت، وشداد بن أوس وأبي هريرة ولا يصح فيه شيء والله أعلم.
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في مواقيت الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم (١٤٩) وأخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: في المواقيت (٣٩٢)..
٣ أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: أوقات الصلوات الخمس (٦١٣)..
٤ أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: أوقات الصلوات الخمس (٦١٤).
وأخرجه النسائي في كتاب: المواقيت، باب: آخر وقت المغرب (٥١٨).
٥ أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: أوقات الصلوات الخمس (٦١٢)..
٦ أخرجه الترمذي في كتاب: الصلاة (١٥١)..
٧ سورة ص، الآية: ٣١-٣٢..
٨ أخرجه البخاري في كتاب: مواقيت الصلاة، باب: من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب (٥٣١) وأخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (٦٠٨)..
٩ أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضاءها (٦٨١)..
١٠ أخرجه البخاري في كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الإبراد بالظهر في شدة الحر (٥١٠) وأخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر (٦١٦)..
١١ أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها (٦٨١)..
التفسير المظهري
المظهري