المعنى الجملي : كان الكلام في سابق الآيات في الجهاد والحث عليه لإقامة الدين وحفظه وإيجاب الهجرة لأجل ذلك وتوبيخ من لم يهاجر من أرض لا يقدر على إقامة دينه فيها والجهاد يستلزم السفر وذكر هنا أحكام من سافر للجهاد أو هاجر في سبيل الله إذا أراد الصلاة وخاف أن يفتن عنها فبين أنه يجوز له أن يقصر منها وأن يصلي جماعتها بالطريقة التي ذكرت في الآية الثانية من هذه الآيات.
تفسير المفردات :
قضيتم الصلاة : أي أديتموها فأقيموا الصلاة : أي ائتوا بها مقومة تامة الأركان والشروط كتابا موقوتا : فرضا منجما في أوقات محدودة لا بد من أدائها فيها.
الإيضاح :
فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم أي فإذا أديتم الصلاة على هذه الصورة فاذكروا الله تعالى في أنفسكم بتذكر وعده بنصر من ينصرونه في الدنيا ونيل الثواب في الآخرة وبألسنتكم بالحمد والتكبير والدعاء وعلى كل حال تكونون عليها من قيام في المسابقة والمقارعة وقعود للرمي أو المصارعة واضطجاع من الجراح أو المخادعة فذكر الله مما يقوى القلوب ويعلي الهمم ويجعل متاعب الدنيا حقيرة ومشاقها سهلة والثبات والصبر يعقبهما الفلاح والنصر كما قال تعالى في سورة الأنفال : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ ( الأنفال : ٤٥ ).
و الخلاصة : إننا أمرنا بالذكر على كل حال نكون عليها في الحرب كما يدل على ذلك السياق فأجدر بأن نؤمر به في حال السلم إلى أن المؤالمين في حال جهاد مستمر وحروب دائمة فهم تارة يجاهدون الأعداء وأخرى يجاهدون الأهواء ومن ثم امرهم الله بذكر في كثير من الآي كقوله : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ ( آل عمران : ١٩١ ) لما في ذلك من تربية النفس وصفاء الروح وتذكر جلال الله وعظمته وأن كل شيء هين في سبيله وابتغاء مرضاته.
و قد روى ابن جرير عن ابن عباس أنه قال : لا يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها جزاء معلوما ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر فإن الله لم يجعل له حدا ينتهي إليه ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله فقال : فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم : أي بالليل والنهار في البر والبحر وفي السفر والحضر والغنى والفقر والسقم والصحة والسر والعلانية وعلى كل حال اه.
فإذا أطمأنتم فأقيم الصلاة الاطمئنان : السكون بعد اضطراب وانزعاج : أي فإذا سكنت قلوبكم من الخوف وأمنتم بعد أن تضع الحرب أوزرها فأدوا الصلاة بتعديل أركانها ومراعاة شرائطها ولا تقصروا من هيئتها كما أذن لكم حال الخوف.
ثم علل وجوب المحافظة على الصلاة حتى في وقت الخوف ولو مع القصر منها فقال :
إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا يقال وقت العمل يقته ووقته توقيتا إذا جعل له وقتا يؤدي فيه : أي إن الصلاة كانت في حكم الله فرضا مؤكدا في أوقات محدودة لا بد من أدائها فيها بقدر الإمكان فأداؤها في أوقاتها مع القصر بشرطه خير من تأخيرها لتؤدى تامة كاملة.
و الحكمة في توقيتها في تلك الأوقات المعلومة أن الأشياء إن لم يكن لها وقت معين لا يحافظ عليها الجم الغفير من الناس.
إلى ما في هذا النوع من الذكر المهذب للنفس من التربية العلمية للأمة الإسلامية بأن تلتزم أداء أعمالها في أوقات معينة مع عدم الهوادة فيها ومن قصر فيها في تلك الأوقات الخمسة في اليوم والليلة فهو جدير بأن ينسى ربه ويغرق في بحار الغفلة.
و من قوي إيمانه وزكت نفسه لا يكتفي بهذا القدر القليل من ذكر الله ومناجاته بل يزيد عليه من النوافل ما شاء الله أن يزيد.
والخلاصة : إن الصلوات الخمس إنما كانت موقوته لتكون مذكرة للمؤمن بربه في الأوقات المختلفة لئلا تحمله الغفلة على الشر أو التقصير في الخير، ولمن يريد الكمال في النوافل والأذكار أن يختار الأوقات التي يرى أنها أوفق بحاله.
تفسير المراغي
المراغي