فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم
في الآيات السابقة بين الله سبحانه وتعالى وجوب الهجرة على المؤمن للجهاد في سبيل الله تعالى، ولطلب الرزق، إن ضاقت أرضه التي نشأ فيها، ثم ذكر سبحانه وتعالى ما سهل به على المسافر من قصر الصلاة، وفي هذا النص الكريم بين سبحانه حال الصلاة إذا كان المسافر في حال جهاد، وهو ما يسمى في عرف الفقهاء بصلاة الخوف، أي الصلاة التي تكون في حال الخوف من العدو، بأن يكونوا في حال حرب معه. فالمراد بالخوف هو الحذر من مباغتة العدو. ولذا قال سبحانه : وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم
أي إذا أديتم الصلاة على حال الخوف، فإن العبادة لم تنته، بل إن معناها قائم مطلوب منكم، وهو أن تذكروا الله تعالى في كل أحوالكم قائمين في الميدان أو غادين ورائحين صلى الله عليه وسلم أو قاعدين مستريحين، أو نائمين على جنوبكم، فإن ذكر الله تعالى هو العبادة المستمرة التي بها تطمئن القلوب، كما قال تعالى : الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب( ٢٨ ) ( الرعد ).
وإن التعبير عن صلاة الخوف بقوله : فإذا قضيتم في مقابل قوله تعالى عند الاطمئنان : فأقيموا الصلاة فيه إشارة إلى أنها بدل عن الصلاة الكاملة تؤدي معناها، وإن لم تكن مثلها في الصورة الظاهرة.
فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا أي إذا ذهب الخوف، وعادت القضب إلى أجفانها(١)، ورجعتم إلى مساكنكم، فأقيموا الصلاة أي أدوها كاملة، مستقبلين القبلة موصولة من غير فاصل بين أجزائها. والكمال هنا كمال الصورة، وإلا فالمعنى يتحقق في صلاة الخوف بمقدار لا يقل عن كماله في الإقامة، إذ إنها عبادة في عبادة، هي عبادة الصلاة في عبادة الجهاد، وهو أشق عبادة، ولا شاغل قد يشغل المصلي عن صلاته إلا هذه العبادة العالية، وفي الإقامة قد تشغله بعض أعراض الدنيا. وقد بين سبحانه مكان الصلاة في الإسلام فقال سبحانه :"إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا }، أي الصلاة مكتوبة على المؤمنين مؤقتة بأوقاتها، وهذا تأكيد لفرضيتها، وقد أكدت الفرضية بأربعة مؤكدات : أولها"إن"التي للتوكيد. وثانيها"كانت"التي تدل على الدوام والاستمرار في الماضي والمستقبل، وثالثها التعبير عن فرضية الصلاة بأنها ( كتاب )فهو تعبير عن الوصف بالمصدر، وفيه فضل توكيد، ورابعها التعبير بقوله تعالى : على المؤمنين فإن ذلك يفيد الإلزام والحتمية. اللهم وفقنا لإقامة الصلاة، وإقامة الحق والعمل على إعلاء شأن الإسلام إنك سميع الدعاء.
زهرة التفاسير
أبو زهرة