ﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪ

وقوله تعالى : فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ . خطاب للمجاهدين من المؤمنين الذين أقاموا الصلاة وهم في مواجهة العدو، على الكيفية المخففة التي شرعها الله لهم، أن يوالوا بعد فراغهم من الصلوات ذكر الله أثناء الجهاد والقتال، سواء كانوا قائمين أو قاعدين أو مضطجعين، لا فرق بين مختلف الأحوال، وذلك لما يؤدي إليه الذكر من حضور القلب مع الله، وما يعين عليه من تلقي مدده ورضاه، على غرار قوله تعالى في خطابه لنبيه : فَإِذَا فَرَغتَ فَانصَب، وَإِلَى رَبِّكَ فَارغَب .
وقوله تعالى : فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ . معناه أنه إذا ذهب عنكم الخوف من فتنة العدو وأصبحتم في حالة اطمئنان تام فعليكم أن تتركوا الكيفية المخففة للصلاة التي بينتها الآيات السالفة، وتعودوا إلى إقامة الصلاة على وجهها الكامل كيفا وكما، هيئة وعددا.
وغني عن البيان أن الصلاة التي حددها كتاب الله لحالة القتال، والتي وصفتها آيات هذا الربع هي المعبر عنها في لسان علماء الشريعة باسم( صلاة الخوف ) وذلك أخذا من الحالة التي تقع فيها هذه الصلاة، وهي حالة اشتباك المسلمين مع عدوهم، وخوفهم من أن يفتنهم في صلاتهم وهم في مواجهته.
وهنا قد يتساءل البعض عن قصر الصلاة في السفر دون قتال ولا خوف، هل قصرها داخل في سياق هذه الآيات، أم أن له سندا شرعيا آخر ؟
والجواب عن ذلك ما رواه ابن جرر الطبري في كتابه في التفسير ونقله عنه ابن كثير : أن أمية بن عبد الله قال لعبد الله بن عمر : إنا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر، فقال عبد الله : " إنا وجدنا نبينا صلى الله عليه وسلم يعمل عملا فعملنا به ".
فقد سمي صلاة الخوف مقصورة، وحمل الآية عليها، لا على قصر صلاة المسافر، وأقره ابن عمر على ذلك، واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع، لا بنص القرآن.
ونقل( ابن العربي ) المعافري سؤال أمية بن عبد الله لعبد الله بن عمر على الوجه الآتي :( إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن، ولا نجد صلاة السفر ). ( يعني لا نعلم شيئا، فإنا نفعل كما رأيناه يفعل ". كما نقل( ابن العربي ) أيضا مقالة يعلى بن أمية لعمر بن الخطاب نفسه في نفس الموضوع، وذلك بالصيغة الآتية، وهي مروية في سنن ابن ماجة : " إن الله تعالى يقول : فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم، فها نحن قد أمنا ". قال عمر :( عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ).
هذا وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة ) مما يدل على أن قصر الصلاة في السفر ثابت بالسنة الفعلية والسنة القولية، والسنة كما هو معلوم مصدر ثان للتشريع، بجانب الكتاب الذي هو المصدر الأول، غير أن هذه الرخصة لا يعقل الانتفاع بها في سفر المعصية، وإنما يعمل بها في سفر الطاعة وحده إن طرأ في السفر ما يدعو إليها.
وأخيرا أكد كتاب الله في ختام هذا الموضوع معنى أن الصلاة لازمة للمسلمين مفروضة عليهم في جميع أحوالهم لا يعفيهم منها شئ، وأن الشارع حرصا منه على قيامهم بها رخص لهم بإقامتها على الوجه الذي يستطيعونه بحسب كل حال من الأحوال، حتى أنه اكتفى منهم في بعض حالات الأعذار بطهارة التيمم التي هي أيضا طهارة رمزية، وذلك تنبيها على أن الصلاة لا تستباح إلا بطهارة، حتى تبقى النفس متشوفة إلى استعمالها، ولا تتعود على إهمالها.

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير