إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا
كانت الآية السابقة على هذه النصوص مبينة مصير أولئك الذين يكونون في شق، والنبي وأصحابه في شق آخر، يوالون أعداء المسلمين، ويناصرونهم، ويتخذون النصرة منهم، لا يرجون خيرا إلا منهم ولا يقدمون الولاء لغيرهم وفي هذا النص الكريم يفتح الله تعالى باب التوبة والغفران لهم، حتى لا يسرفوا على أنفسهم ويقنطوا من رحمة الله تعالى وقد نهى سبحانه وتعالى عن ذلك فقال : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم( ٥٣ ) ( الزمر ).
وفي نص الآية التي نتصدى للكلام في معناها، يبين سبحانه أن كل ذنب قابل للغفران عند التوبة إلا أن يكون مشركا مصرا على الشرك
"إن" هنا هي النافية، والدعاء هنا العبادة، والالتجاء لإنقاذه من الهلاك أو المرض أو الكوارث بشكل عام. والمعنى : لا يتجهون في عبادتهم وضراعتهم بعد الله سبحانه ذي الجلال والإكرام إلا إلى إناث قد استبدلوهن بعبادة الله. فهم قد تركوا عبادة القوي القادر القاهر الذي هو فوق كل شيء، إلى عبادة العاجز الذي لا يستطيع حماية نفسه ورفع الضر عنه ! فالعبارة تفيد بمرماها أنهم تركوا عبادة من يحميهم ويكلؤهم إلى من لا يستطيع حماية نفسه.
ولكن لماذا عبر عن الأوثان التي كانوا يعبدونها بالإناث ؟
قد ذكر العلماء لذلك ثلاثة تعليلات مختلفة أولها أن العرب كانت عندهم أوثان تتسمى بأسماء إناث، كاللات والعزى ومناة، وعن الحسن البصري أنه لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يسمونه أنثى بنو فلان، وثانيها أنهم كانوا يقولون عن أصنامهم بنات الله، تعالى الله عما يقولون. وثالثها ما قرره الأصفهاني من أن المراد جماداتهم التي كانوا يعبدونها، فقال :"لما كانت معبوداتهم من جملة الجمادات التي هي منفعلة لا فاعلة، سماها الله تعالى أنثى، وبكتهم بها ونبههم على جهلهم واعتقاداتهم فيها، مع أنها آلهة لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر، بل لا تفعل فعلا بوجه من الوجوه".
وخلاصة هذه التعليلات أن الله تعالى يبين ضلال الشرك لأن العابد فيه لا يعبد إلا ما هو كالإناث، يحتاج إلى من يحميه ولا يحمي أحد، ويترك عبادة الله تعالى القهار القادر على كل شيء، الذي لا يوجد ذو قوة في هذا الوجود إلا كان يستمد قوته منه سبحانه.
وإن الذي يدفعهم إلى ذلك هو وسوسة الشيطان الذي كان سلطانه عليهم كسلطان المعبود الذي يعبد، ولذلك يقول تعالى :
وإن يدعون إلا شيطانا مريدا "المريد" على وزن فعيل من الفعل( مرد )، وهذا الفعل يطلق بعدة إطلاقات، منها أن ( مرد ) معناها مرن على الشر ومن ذلك قوله تعالى ومن أهل المدينة مردوا على النفاق( ١٠١ ) ( التوبة )، ومنها أنه من يخرج على الطاعة ومن ذلك( مارد، ومتمرد ) ويطلق على من ظهر شره، وتجرد من الخير، ومن هذا( شجرة مرداء ) إذا تساقط ورقها وظهرت عيدانها. وإن الشيطان الذي يوسوس في صدور الناس ويدفعها إلى الشر فيه كل هذه الأوصاف، فهو قد تعود الشر وهو قد عتا، وهو قد خرج على الطاعة لله تعالى، وهو قد تجرد من كل خير فيكون المعنى على هذا : إنهم يدعون أي يعبدون في الواقع شيطانا قد عتا، وتجرد من الخير وتعود على الشر، فلا يكون منه إلا شر، وإذا كان هؤلاء يلجأون إليه في دعائهم، وكأنهم يعبدونه، إذ يعبدون الأوثان التي زينها لهم، فهم في أبعد الضلال ويسلكون طرقا من الشر متعددة وقد ذكر سبحانه ما يفعله الشيطان بعقول هؤلاء فقال تعالى : لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا .
زهرة التفاسير
أبو زهرة