قال البغوي : ونزل في أهل مكة قوله تعالى : إن يدعون أي ما يعبدون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الدعاء هو العبادة " ثم قال وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي (١) الآية رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، ولأن من عبد شيئا دعاه لحوائجه ومصالحه من دونه تعالى إلا إناثا قال أكثر المفسرين معناه إلا أوثانا، ووجه تسميتها بالإناث إما لأن العرب كانوا يزعمونها إناثا ويسمونها بأسماء الإناث اللات والعزى ومناة ونحوها ويقولون ربة بني فلان وأنثى بني فلان، لما روى عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب أنه قال إلا إناثا قال مع صنم جنية وإما لأنه لا حقيقة لها إلا أسماءها قال الله تعالى : ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها (٢) فاعتبرت إناثا باعتبار تأنيث أسمائها وإما لأنها كانت جمادات والإناث يطلق على الجمادات لغة، في القاموس الإناث جمع الأنثى كالأناثى والموات كالشجر والحجر وصغار النجوم، فهذا إطلاق لغوي أصلي من غير تجوّز كما قيل في كتب النحو الضمير بالألف والتاء ونون الجماعة لغير العقلاء في الأصل يقال سفن جاريات ونخل باسقات وصرن الأيام ليالي، وإنما جعل ضمير جماعة النساء بها لتنزيلهن منزلة غير العقلاء لنقصان عقلهن، وقال الحسن وقتادة : إلا إناثا أي مواتا لا روح فيه سماها إناثا لأنها تخبر عن الموات كما تخبر عن الإناث أو لأن الإناث أدون الجنسين كما أن الموات أرذل من الحيوان وعلى هذين الوجهين الإطلاق مجازي وقرأ ابن عباس " إلاثنا " جمع الأوثان جمع وثن قلبت الواو همزة، وقال الضحاك أراد بالإناث الملائكة فإنهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله قال الله تعالى : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا (٣) وإن يدعون إلا شيطانا وذلك أنه كان في كل وثن شيطانا يتراءى أي للسدنة والكهنة ويكلمهم كما ذكرنا فيما سبق، وقيل : المراد به إبليس فإنه هو الذي أمرهم بعبادتها فعبادتها طاعته وعبادته مريدا المارد والمريد الذي لا يعلق بخير، وأصل التركيب للملاسة ومنه صرح بمرد وغلام أمرد والمراد هاهنا العاتي الخارج عن طاعة الله.
٢ سورة يوسف، الآية: ٤٠..
٣ سورة الزخرف، الآية: ١٩..
التفسير المظهري
المظهري