وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ يَعْنِي: عَنِ الْحَقِّ، أَيْ: لِأُغْوِيَنَّهُمْ، يَقُولُهُ إِبْلِيس، وَأَرَادَ بِهِ التَّزْيِينَ، وَإِلَّا فَلَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الْإِضْلَالِ شَيْءٌ، كَمَا قَالَ: "لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ" (الْحِجْرِ -٣٩) وَلِأُمَنِّيَنَّهُمْ قِيلَ: أُمَنِّيَنَّهُمْ رُكُوبَ الْأَهْوَاءِ، وَقِيلَ: أُمَنِّيَنَّهُمْ أَنْ لَا جَنَّةَ ولا نارَولا بَعْثَ، وَقِيلَ: أُمَنِّيَنَّهُمْ إِدْرَاكَ الْآخِرَةِ مَعَ رُكُوبِ الْمَعَاصِي، وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ أَيْ: يَقْطَعُونَهَا وَيَشُقُّونَهَا، وَهِيَ الْبَحِيرَةُ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالضَّحَّاكُ: يَعْنِي دِينَ اللَّهِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ" (الرُّومِ -٣٠) أَيْ: لِدِينِ اللَّهِ، يُرِيدُ وَضْعَ اللَّهِ فِي الدِّينِ بِتَحْلِيلِ الْحَرَامِ وَتَحْرِيمِ الْحَلَالِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ بِالْخِصَاءِ وَالْوَشْمِ وَقَطْعِ الْآذَانِ حَتَّى حَرَّمَ بَعْضُهُمُ الْخِصَاءَ وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ فِي الْبَهَائِمِ، لِأَنَّ فِيهِ غَرَضًا ظَاهِرًا، وَقِيلَ: تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْأَنْعَامَ لِلرُّكُوبِ وَالْأَكْلِ فَحَرَّمُوهَا، وَخَلَقَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْأَحْجَارَ لِمَنْفَعَةِ الْعِبَادِ فَعَبَدُوهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَيْ: رَبًّا يُطِيعُهُ، فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا
يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ فَوَعْدُهُ وَتَمْنِيَتُهُ مَا يُوقِعُ فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ مِنْ طُولِ الْعُمُرِ وَنَيْلِ الدُّنْيَا، وَقَدْ يَكُونُ بِالتَّخْوِيفِ بِالْفَقْرِ فَيَمْنَعُهُ مِنَ الْإِنْفَاقِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ" (الْبَقَرَةِ -٢٦٨) وَيُمَنِّيهِمْ بِأَنْ لَا بَعْثَ وَلَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا أَيْ: بَاطِلًا.
أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا أَيْ: مَفَرًّا وَمَعْدِلًا عَنْهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ
أَيْ: مِنْ تَحْتِ الْغُرَفِ وَالْمَسَاكِنِ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ الْآيَةَ. قَالَ مَسْرُوقٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: أَرَادَ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ يَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ افْتَخَرُوا، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: نَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ وَكِتَابُنَا قَبْلَ كِتَابِكُمْ فَنَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: نَبِيُّنَا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَكِتَابُنَا يَقْضِي عَلَى الْكُتُبِ، وَقَدْ آمَنَّا بِكِتَابِكُمْ وَلَمْ تُؤْمِنُوا بِكِتَابِنَا فَنَحْنُ أَوْلَى (١).
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ يَا مُشْرِكِي أَهْلِ الْكِتَابِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا بَعْثَ وَلَا حِسَابَ، وَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: "لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً" (الْبَقَرَةِ -٨٠) "لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى" (الْبَقَرَةِ -١١١)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ (٢) أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ بِالْأَمَانِي وَإِنَّمَا الْأَمْرُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ.
مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَجَمَاعَةٌ: الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي حَقِّ كُلِّ عامل.
وقال الكبي عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ شَقَّتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيُّنَا لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا غَيْرَكَ فَكَيْفَ الْجَزَاءُ؟ قَالَ: "مِنْهُ مَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا، فَمَنْ يَعْمَلْ حَسَنَةً فَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمَنْ جُوزِيَ بِالسَّيِّئَةِ نَقَصَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ عَشْرٍ، وَبَقِيَتْ لَهُ تِسْعُ حَسَنَاتٍ، فَوَيْلٌ لِمَنْ غَلَبَتْ آحَادُهُ أَعْشَارَهُ، وَأَمَّا مَا يَكُونُ جَزَاءً فِي الْآخِرَةِ فَيُقَابِلُ بَيْنَ حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ، فَيَلْقَى مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً وَيَنْظُرُ فِي الْفَضْلِ، فَيُعْطَى الْجَزَاءَ فِي الْجَنَّةِ فَيُؤْتِي كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ" (٣).
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَبْدُوسِيُّ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْفَقِيهُ بِبَغْدَادَ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزِّبْرِقَانِ وَالْحَرْثُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا ثَنَا رَوْحٌ هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ، ثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، أَخْبَرَنِي مَوْلَى بْنِ سِبَاعٍ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كنت عند ٩٧/أرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَّا أُقْرِئَكَ آيَةً أُنْزِلَتْ عَلَيَّ؟ قَالَ: قُلْتُ بَلَى، قَالَ: فَأَقْرَأَنِيهَا، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنِّي وَجَدْتُ انْفِصَامًا فِي ظَهْرِي حَتَّى تَمَطَّيْتُ لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ
(٢) انظر: الدر المنثور: ٢ / ٦٩٣.
(٣) هذا الخبر من رواية الكلبي، تركه أهل الحديث لأنه كان كذابا، وقد سبقت ترجمته في المقدمة.
معالم التنزيل
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي
محمد عبد الله النمر