ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽ

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قالت اليهود والنصارى لا يدخل الجنة غيرنا وقالت قريش إنا لا نبعث فأنزل الله تعالى ليس الأمر منوطا بأمانيكم يا أهل مكة حيث تقولون لا بعث ولا نشور وتقولون هؤلاء الأصناف شفعاؤنا عند الله ١ وتقولون إن كان الأمر كما يزعم أصحاب محمد لنكونن خيرا منهم وأحسن حالا ويدل على كون الخطاب لأهل مكة سياق الآية وبه قال مجاهد ولا الأمر منوطا أماني أهل الكتاب اليهود والنصارى حيث يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه ٢ ويقولون لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ٣ لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ٤ بل أمر النجاة والثواب وضدها منوط بالإيمان والأعمال الصالحة وضدها ثم فصل الجملة فقال : من يعمل سوءا من الكفر والمعاصي يجز به ولا يجد له من دون الله وليا يوصل إليه خيرا ولا نصيرا يدفع عنه شرا، كلمة من عامة شاملة للمؤمن والكافر وإن كان سبب النزول خاصا أعني أماني الكفار من أهل مكة وأهل الكتاب فإن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، كذا ذكر البغوي قول ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهم أن الآية عامة في حق كل عامل، وقوله تعالى يجز به مقيد بعدم المغفرة كغيره من آيات الوعيد والجزاء يعم ما يصيبه في الدنيا وما يصيبه في الآخرة إن لم يغفر الله تعالى عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله عصابة من أصحابه :" بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب على ذلك في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك " ٥ متفق عليه، وقوله تعالى : ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا لا يدل على أن هذا الحكم خاص بالكفار ولا يضر ذلك بالمؤمنين فإن مولاهم الله تعالى كفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا فيغفر لهم الله تعالى إن شاء ويشفع لهم الملائكة والأنبياء والصالحون بإذن الله تعالى ولا يطلبون من دون الله وليا ولا نصيرا، وأما الكفار فيطلبون الولاية والنصرة مما عبدوها دون الله تعالى فلا يجدونها لهم أولياء ولا أنصارا ويدل على عموم هذه الآية المؤمنين والكفار حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال :" كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلت هذه الآية من يعمل سوءا يجز به قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا أبا بكر ألا أقرئك آية أنزلت علي ؟ قال : قلت بلى، قال : فأقرأنيها قال ولا أعلم أني وجدت انفصاما في ظهر حتى تمطيت لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مالك مالك يا أبا بكر ؟ فقلت : يا رسول الله بأبي أنت وأمي أينا لم يعمل سوءا وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أما أنت وأصحابك المؤمنون فيجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليست لكم ذنوب وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا يوم القيامة " ٦ رواه البغوي بسنده والترمذي وعبد ابن حميد وابن المنذر، وأخرجه أحمد وابن حبان والحاكم بلفظ قال أبو بكر :" فمن ينجو مع هذا ؟ فقال : عليه السلام : إما تحزن وإما تمرض إما يصيبك البلاء، قال : بلى يا رسول الله، قال : هو ذلك " وروى أحمد والبخاري في تاريخه وأبو يعلى والبيهقي نحوه عن عائشة، وقال البغوي : قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما : لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين وقالوا : يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءا غيرك فكيف الجزاء ؟ قال : منه ما يكون في الدنيا فمن يعمل حسنة فله عشر حسنات ومن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشر وبقيت له تسع حسنات فويل لمن غلبت آحاده أعشاره، وأما ما كان جزاء في الآخرة فيقابل من حسناته وسيئاته فيلقى مكان كل سيئة حسنة وينظر في الفضل فيعطى الجزاء في الجنة فيؤتي كل ذي فضل فضله والله أعلم. قلت : ما ذكرنا تخريج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في سبب نزوله تعالى ليس بأمانيكم هو الظاهر من حيث الرواية والدراية، ولكن روي له سبب آخر أيضا أخرج ابن جرير عن مسروق مرسلا ونحوه عن قتادة والضحاك والسدي وعن ابن عباس من طريق العوفي أن قوله تعالى : ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب نزلت في تفاخر النصارى وأهل الإسلام، وفي لفظ تفاخر أهل الأديان جلس ناس من اليهود وناس من النصارى وناس من المسلمين فقال هؤلاء نحن أفضل وقال هؤلاء نحن أفضل، قال البغوي : قال أهل الكتاب نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم وقال المسلمون نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب وقد آمنا بكتابكم ولم تؤمنوا بكتابنا فنحن أولى وعلى هذا الخطاب في ليس بأمانيكم مع المؤمنين ولا خفاء حينئذ في عموم قوله تعالى : من يعمل سوءا .
وأخرج ابن جرير أيضا عن مسروق وكذا ذكر البغوي عن الأعمش عن ابن الضحى عنه أنه قال لما نزلت ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب قال أهل الكتاب نحن وأنتم سواء فنزلت هذه الآية ومن يعمل من الصالحات يعني بعضها وشيئا منها بدليل قوله تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ٧ ٧ من ذكر أو أنثى في موضع الحال من المستكن في يعمل، ومن لتبيين الإبهام أو في موضع الحال من الصالحات أي كائنة من ذكر أو أنثى ومن للابتداء وأو على التأويلين فيه تأكيد بشمول الحكم في من يعمل، قال بعض الأفاضل : في تبيين العامل بالذكر والأنثى توبيخ للمشركين في إهلاكهم إناثهم وهو مؤمن حال من المستكن في يعمل قيد جزاء الحسنات بشرط الإيمان ولم يقيد جزاء السيئات بشرط الكفر لأن كل سيئة صغيرة كانت كبيرة غير مرضية لله منهية فإتيانها يقتضي العقاب إن لم يتداركه المغفرة ولذلك عم الوعيد على السيئات للفريقين المؤمنين والكفار، وأما الحسنات فلا يعتد بشيء منها ما لم يقترن بالإيمان كان أعمال الكفار ليست خالصة لله تعالى وما ليس بخالص له تعالى فهو شرك ومعصية وليست بحسنة. فإن قيل : فعلى هذا لا حاجة إلى هذا القيد لأن عنوانها بالصالحات يغنى عنه فإن أعمال الكفار ليست من الصالحات في شيء ؟ قلنا : نعم لكن قيد بذلك للتصريح ودفع توهم الكفار إن من أعمالهم ما هو حسنة كالنفقات وصلة الأرحام ونحو ذلك فأولئك يدخلون الجنة وإن كانوا فساقا ماتوا بلا توبة إما بمغفرة ذنوبهم أو بعد جزاء سيئاتهم، قرأ ابن كثير وأبو جعفر وأبو عمرو أبو بكة يدخلون بضم الياء وفتح الخاء على البناء للمفعول هاهنا وفي سورة مريم وحم المؤمن وزاد أبو عمرو يدخلونها في سورة فاطر والباقون على البناء للفاعل، ولا يظلمون نقيرا أي مقدار النقير وهو النقرة التي تكون في ظهر النواة، وهذه الآية بعبارته، تدل على عدم تنقيص ثواب المطيع وبالدلالة بالطريق الأولى على عدم الزيادة في عذاب العاصي لأن الأذى في زيادة العذاب أشد منه في تنقيص الثواب فإذا لم يرض أرحم الراحمين بهذا فكيف يرضى بأشد منه، وقال بعض الأفاضل : لترك هذا القيد في قوله تعالى : من يعمل سوءا وجه آخر وهو أن مقام تهديد الكافر لتنفيره عن الشرك يقتضي تركه هناك ومقام ترغيب المؤمن بالعمل الصالح والمواظبة على الانقياد يقتضي ذكره هاهنا، قلت : وعندي أن معنى قوله تعالى : ولا يظلمون نقيرا إنه لا ينقص أحد من ثواب طاعاته ولا يزداد أحد على عقاب سيئاته.

١ سورة يونس، الآية: ١٨..
٢ سورة المائدة، الآية: ١٨..
٣ سورة البقرة، الآية: ١١١..
٤ سورة آل عمران، الآية: ٢٤..
٥ أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: علامة الإيمان حب الأنصار (١٨) وأخرجه مسلم في كتاب: الحدود، باب: الحدود كفارات لأهلها (١٧٠٩)..
٦ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة النساء (٣٠٣٩) قال: غريب وفي إسناده مقال..
٧ سورة الزلزلة، الآية: ٧..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير