ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽ

١٢٣ - قوله تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ (١).
اختلفوا في نزول هذه الآية: فقال مجاهد وابن زيد: نزلت في كفار قريش وأهل الكتاب، قالت قريش: لا نُبعث ولا نُحاسب، وقالت اليهود: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة (٢).
وقال مسروق والسدي وقتادة والضحاك: نزلت في المسلمين وأهل الكتاب (٣).
قال أهل المعاني: معنى الآية: ليس الثواب الذي تقدم ذكره والوعد به في قوله: سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي الآية، بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَاب أي ليس يُستحق بالأماني، إنما يُستحق بالإيمان والعمل الصالح (٤). وهذا معنى قول الزجاج (٥)، قال: اسم ليس مضمر، المعنى

(١) هذِه هي الآية الثالثة والعشرون بعد المائة من سورة النساء، وقد ذُكرت هكذا في المخطوط بعد الآية (١٢١) وتركت الآية (١٢٢)، ويحتمل أن المؤلف لم يتعرض لها، فقد قال في "الوسيط": "قوله عز وجل:- وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [النساء: ١٢٢] ظاهر إلى قوله: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ "الوسيط" ٢/ ١١٤.
(٢) أخرجه بنحوه عن مجاهد وبمعناه عن ابن عباس وابن زيد: الطبري ٥/ ٢٨٩ - ٢٩٠، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١٢٣ أ.
(٣) أخرجه بمعناه عنهم الطبري ٥/ ٢٨٨ - ٢٩١، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١٢٣ ب واختار الطبري القول الأول معللًا لذلك بقوله: "لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم، ذكر فيما مضى في الآي قبل قوله لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وإنما جرى ذكر أماني نصيب الشيطان المفروض، وذلك في قوله: وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ [النساء: ١١٩] وقوله:
يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ " "تفسير الطبري" ٥/ ٢٩١.
(٤) كأن هذا ترجيح للقول الأول في المراد بالضمير في "أمانيكم"، وهو قوي.
(٥) في "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١١١، وانظر: "معاني النحاس" ٢/ ١٩٧، و"بحر العلوم" ١/ ٣٩٠.

صفحة رقم 107

ليس ثواب الله بأمانيكم (١).
وقوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه اختلفوا في معناه: فقال الحسن وابن زيد: هذا في الكفار خاصة؛ لأنه يجازون بالعقاب على الصغير والكبير (٢).
وقال الضحاك في هذه الآية: يقول: ليس لكم ما تمنيتم، وليس لأهل الكتاب ما تمنوه، من عمل سوءًا شركًا فمات عليه يُجز به النار (٣).
وقال مقاتل بن حيان: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه بلغنا أنه الشرك (٤).
وقال الحسن في قوله: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه قال: هو الكافر، لا يجزي الله المؤمن يوم القيامة عمله، ولكن المؤمن يُجزى بأحسن عمله، ويتجاوز عن سيئاته، ثم قرأ: لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ [الزمر: ٣٥]، وقرأ أيضًا: وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ: ١٧] (٥).
وقال سعيد بن جبير: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا بغير الشرك (٦).
ويدل على أن المراد بهذه الآية الكفار دون المؤمنين قوله تعالى:

(١) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١١١، وانظر: "معاني النحاس" ٢/ ١٩٧، و"بحر العلوم" ١/ ٣٩٠، و"الكشف والبيان" ٤/ ١٢٣ ب.
(٢) أخرجه عنهما بمعناه الطبري ٥/ ٢٩٣، وسيأتي عند المؤلف سياق لأقوالهما.
(٣) أخرجه بمعناه الطبري من طرق ٥/ ٢٩٣، وانظر: "الدر" ٢/ ٣٩٩.
(٤) لم أقف عليه عن مقاتل بن حيان. وهذا القول لابن عباس وسعيد بن جبير، أخرج ذلك الطبري ٥/ ٢٩٣.
(٥) أخرجه بنحوه من طرق: الطبري ٥/ ٢٩٢، وذكره بلفظه الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ١٢٤ ب، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٢١٠، و"الدر المنثور" ٢/ ٣٩٩.
(٦) الوارد عن سعيد بن جبير كما في الطبري ٥/ ٢٩٣ إنه فسر السوء بالشرك.=

صفحة رقم 108

وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ومن يكن (١) له في القيامة ولي ولا نصير كان من جملة الكفار؛ لأنَّ المؤمنين وعدوا النصر في قوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا [غافر: ٥١].
وقال آخرون: هذه الآية عامة في كل من عمل سوءًا من مسلم وكافر، فقال عكرمة عن ابن عباس: من يعمل سوءًا يُجز به إلا أن يتوب قبل موته فيتوب الله عليه (٢).
وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين مشقة شديدة، وقالوا: يا رسول الله، وأينا لم يعمل سوءًا؟ فكيف الجزاء؟ قال: منه ما يكون في الدنيا، فمَنْ يعمل حسنةً فله عشر حسنات، ومن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة، وقضيت له حسنات، فويل لمن غلب آحاده أعشاره، وأما ما كان جزاء في الآخرة، فإنه يؤخر إلى يوم القيامة، فيقابل من حسناته وسيئاته، فيُلقى مكان كل سيئة حسنة، وينظر في الفضل فيعطى الجزاء في الجنة (٣).
وقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال: غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تنصب؟ ألست تمرض؟ أليس تصيبك

= وانظر: "الدر المنثور" ٢/ ٤٠٥، والظاهر أن كلمة "بغير" زائدة من النساخ؛ لأن كلام المؤلف في سياق أقوال الذين يرون أن الآية في الكفار خاصة.
(١) هكذا في المخطوط والصواب: ومن لم يكن.
(٢) لم أقف عليه، والثابت والمشهور عن ابن عباس كالقول الأول أن المراد بالآية الكفار والمشركين خاصة. انظر: "تفسيره" ص ١٥٩، والطبري ٥/ ٢٩٣، و"زاد المسير" ٢/ ٢١٠، و"الدر المنثور" ٢/ ٣٩٩.
(٣) "الكشف والبيان" ٤/ ١٢٣ ب.

صفحة رقم 109

اللأواء (١)؟ -قال: بلى- قال: فهو ما تجزون به (٢).
وقال أبو هريرة: لما نزلت هذه الآية بكينا، وحزنا، وقلنا: يا رسول الله، ما أبقت هذه الآية من شيء فقال: إنها لكم أنزلت، ولكن أبشروا، إنه لا يصيب أحدًا منكم مصيبة في الدنيا إلا كفَّرَ اللهُ بها خطيئة، حتى الشوكة يُشاكها أحدكُم في قدمه (٣).
وهذا الذي ذكرنا من أن الجزاء يراد به مصائب الدنيا مذهب أبي بن كعب وعائشة ومجاهد. وقالوا: إن الآية عامة لجميع الناس (٤).
واختاره محمد بن جرير (٥).
وقال أبو إسحاق: قد أعلم الله عز وجل أنه يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، فعامل السوء ما لم يكن كافرًا مرجو له العفو والرحمة، والنبي - ﷺ - شافع لأمته مشفَّع (٦).
وقوله تعالى: وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا قال ابن عباس: يريد وليًا يمنعه، ولا نصيرًا ينصره (٧).

(١) اللأواء: الشدة والمشقة وضيق العيش. انظر: "اللسان" ٧/ ٣٩٧٨ (لأى).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده" ١/ ١١، والطبري ٥/ ٢٩٤، والحاكم في "المستدرك"، كتاب: معرفة الصحابة ٣/ ٧٤، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، كما أخرجه الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ١٢٣ ب، والمؤلف في "الوسيط" ٢/ ٧١٥. وذهب أحمد شاكر إلى أن في إسناده انقطاعًا وذلك في تحقيقه للطبري.
(٣) أخرجه مسلم بنحوه (٢٥٧٤) كتاب: البر والصلة، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه... وغيره وانظر: "الدر المنثور" ٢/ ٤٠٠.
(٤) انظر: "زاد المسير" ٢/ ٢١٠.
(٥) في "تفسير الطبري" ٥/ ٢٩٣.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١١٢.
(٧) انظر: "الوسيط" ٢/ ٧١٨، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٨.

صفحة رقم 110

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية